دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٠ - المـقـدّمـة
الإستصحاب هنا أيضاً أثراً مثبتاً ، ذلك لأنّ الظاهر عرفاً من الشروط المأخوذة في القضيّة الشرطية أنها مأخوذةٌ بنحو الوجود القطعي الصفتي ، فإذا أردتَ إثباتَ وجودها بالإستصحاب فسوف يكون الإستصحاب ح مُثْبِتاً لوجود هذه الشروط ، ولذلك ـ بعد عدم جريان الإستصحاب في الحكم المعلّق ـ يجب الرجوع إلى (أصالة الحِلّيّة) .
وكما في أحكام العقل ، فإننا نقول بأنه يحكم وليس فقط يستكشف ، إنما يحكم بأحكام عقلية لا شرعية ، فيحكم عليك العقلُ بالعدل ويمنع عليك الظلمَ وارتكابَ القبـيح حتى ولو لم يكن يوجَدُ شريعةٌ ...
كما أنّ بعض الناس يعتقدون أنّ المستصحَب ـ إذا شككنا في طروء النجاسة على الثوب ـ هو (عدم طروء النجاسة على الثوب) ، مع أنّ الحقيقة هي أنّ المستصحَب هو (طهارة الثوب) ، نعم ، شرطُ الإستصحاب هو الشكّ في تغيُّر الحالةِ السابقة ، أي أنّ (الشكّ في طروء النجاسة) هو بمثابة شرط الحكم ، أي كما نقول "إذا زالت الشمسُ فصَلِّ" نقول هنا "إذا شككتَ فاستصحِبْ" . أمّا كونُ المستصحَب هو طهارةُ الثوب وليس هو (عدم طروء النجاسة على الثوب) فلِما سترى في الأدلّة الآتية في بحث الإستصحاب من أنّ ظاهر الروايات صريحٌ في ذلك كما تلاحظ ذلك في قوله t .. وإلا فإنه على يقين من وضوئه ، ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك وإنما تـنقضه بـيقين آخر فإنك ترى الإمامَ (ع) ينظرُ إلى اليقين السابق وينهى عن نقضه ، أي يأمر باستصحابه .
نعم ، يكون المستصحَبُ الحقيقي في بعض الأحيان عدمياً ، كما في عدم أداء تمام الدَّين وعدمِ أداء تمام صلوات القضاء وكاستصحاب القطعات الزمانية فنقول مثلاً : أنت حين تستصحبُ بقاءَ الليل في شهر رمضان ـ مثلاً ـ لتأكلَ ، فقد قال المشهور بأننا نستصحب بقاءَ الليل بذريعةِ أنّ العُرفَ يراه قطعةً ذات يقين سابق بوجود الليل وشكّ لاحقٍ بانـتهائه ، وأنّ هذا أمرٌ عرفي بحت مع غضّ النظر عن تصرّم الثواني والدقائق وانعدامِ الركن الأوّل للإستصحاب ، فقلنا ـ رَدّاً على المشهور ـ إنّ هذا أشبهُ شيءٍ باستصحاب خطوات الماشي وتكلُّمِ المتكلِّمِ ، التي لا يجري فيها الإستصحابُ بلا شكّ ، بل لا معنى لاستصحاب ما لا وجود له ، وهو الزمان ، لأنه وهْمٌ عقلي ، لا غير ، وذلك لأنّ الزمان هو مقدار حركة المتحرّك ، فهو غير موجود في الخارج ، وهو متصرّم في كلّ لحظة ، فأين الركنُ الأوّل للإستصحاب ؟! بل الصحيحُ أنْ نستصحبَ عدمَ وصول الشمس إلى تحت الأفق بمقدارٍ يطلع فيه الفجرُ ، أي أنـنا يجب أن نستصحب عدمَ وصولِها إلى الحدّ المعيّن الذي يطلُعُ الفجرُ فيه عندنا ، نعم ، النـتيجةُ هي أنـنا نستصحب بقاءَ الليل .