دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٤١ - فصلٌ هل الأوامر والنواهي متعلقةٌ بالطبائع الكليّة أم بالأفراد الشخصيّة ؟
*وهنا لا بدّ مِن ذِكْرِ ملاحظةٍ نافعة وهي : إنّ التدقيق في المطلب يقتضي أن نقول : إنّ موضوع الأحكام الشرعيّة ـ في مرحلة الثبوت والتصوّر ـ هو الكلّي الطبـيعي ، وأمّا في مرحلة الإمتـثال فما يحصل في الخارج هو نفسُ الطبـيعة . وبين الكلّي الطبـيعي والطبـيعة فرقٌ ، فالكلّي الطبـيعي من جهة كليّته موجود في الذهن فقط ، ومِن جهة وجوده في الخارج هو الطبـيعي ـ كطبـيعة الإنسان الموجودة في زَيد وعَمْرو ـ فحينما يقول لنا المولى جلّ وعلا "صلِّ" فإنما يَطلب مِنّا إيجادَ طبـيعةِ الصلاة في الخارج ، سواءً بالثوب الأبيض أو الأصفر أو بأيّ لون آخر ، وسواءً في هذه الغرفة أم في تلك ، وسواءً في أوّل الوقت أو في آخره ... ولذلك قال المحقّقون هو من هذه الناحية (كلّيّ) ، لصلاح (الصلاة) لانطباقها على كثيرين ، وحينما نقول في علم المنطق "الكلّي الطبـيعي يوجَدُ بوجود أفراده" نقصد أنّ الذي يوجَد هو الطبائع والماهيّات الموجودة في الأفراد ، وإنما سمّوه (كلَي) لصلاحه للإنطباق على كثيرين .
إذَنْ المولى تعالى حين يَطلب منّا (الصلاةَ) ـ مثلاً ـ فهو ـ كأيّ مُقَـنِّن ـ يَنظر إليها بنحو الكلّي الطبـيعي ، أي ينظر إليها في مرحلة التصوّر ـ أي قبل إنزال الحكمِ على قَلب رسول الله pـ كعنوان يَصلُحُ إيجادُ أفرادِه في الخارج ، ولكنه ـ في مرحلة الإمتـثال ـ لا يَطلب مِنّا إيجادَ نفس الكلّي في الخارج ، لأنه لا يمكن ، وإنما يَطلب منّا إيجادَ الطبـيعةِ في الخارج ، فإنّ الذي فيه مصلحةٌ أو مفسدةٌ هي الطبـيعة التي يوجِدها المكلّفُ في الخارج ، وليس الكلّيُّ الموجودُ في الذهن .
*وعليه فيمكن تلخيصُ المطلَبِ بالكلمة التالية : الأحسنُ أن يُعَبَّرَ في العنوان السالف الذكر بالسؤال التالي : هل متعلّق الحكم الشرعي هو إيجاد الكلّي الطبـيعي أو إيجاد بعض أفرادها ؟ والجواب : إنّ متعلّق التكليف في مرحلة التصوّر والتـقنين هو الكلّي الطبـيعي ، ومتعلّقُ التكليف في مرحلة الإمتـثال هو نفس الطبـيعة ، وليس تصوّرُ الكلّي الطبـيعي إلاّ ضرورةً في مرحلتَي التصوّر والتـقنين ، ولذلك يكون الكلّي الطبـيعي بمثابة العنوان والمرآة التي يَرَى المقنـِّنُ من خلالها الطبائعَ فيأمرُ بإيجادها .
*ومن فوائد هذا البحث ما سوف يظهر لك في مبحث اجتماع الأمر والنهي حينما نقول إنّ فلاناً الذي صلّى في المغصوب قد يقال بصحّة صلاته ، بذريعة أنّه لم يَرِدْ ـ في شروط الصلاة ـ أن يكون مكانُ الصلاة مباحاً ، وإنما كان الدليل على إباحة المكان عموماتِ (مال المسلم على المسلم حرام) و (لا يحلّ مال امرء مسلم إلاّ بطيب نفسه) ، فقد يَتمسّكُ البعضُ بصحّة الصلاة في المكان المغصوب بحجّة أنّ المطلوب هو الإتيان بطبـيعة الصلاة ، والمفروضُ أنّ المكلّفَ قد أتَى بها ـ ولو ضِمن فردٍ محرَّم ـ