دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٨٥ - مقدّمة البحث
عادةً ـ بين مستوى الأعلم وغير الأعلم فيمكن للمفضول ادّعاءُ أنه أعلم من الأعلم في هذه المسألة المبحوث عنها ، وحينـئذٍ يكون معنى الأعلم هو الأعلم إجمالاً لا تـفصيلاً وفي كلّ مسألة ، فإنّ الأعلم حينما كان يكتب رسائلَه العِلْمية كان بمستوى المفضول تقريـباً ، والصعود على الدرج يكون عادةً درجةً درجة ، فإذا ناقش المفضولُ الأعلمَ في مسألة كتبها الأعلمُ حينما كان في بدايات اجتهاده يمكن جداً أن يغلبه المفضول الآن ، فإنّ الأعلم لم يقف على قمّة العلم من أوّل اجتهاده كالمعصوم ، فيمكن للمفضول أن يغلبه الآن إذا بحث المسألةَ أكثرَ من الأعلم ، وإلاّ فسينسدّ باب الإجتهاد .
وبتـفصيل أكثر : إذا كان الإختلاف في الإستظهارات العرفية ، فيدّعي المفضول ظهور الكلام في الأمر الفلاني بشكلٍّ لا يتردّد فيه ، ويدّعي الأعلمُ أنه ظاهر في أمر آخر ، فما هو موضوع الحجّية على المجتهد إنما هو ظهور الكلام عند نفسه لا ظهوره عند غيره ، وعلى هذا سيرة كلّ العقلاء والمتشرّعة في العالَم .
وكذا إذا كان الإختلاف في مسألة عقلية ، فادّعى المفضولُ الترتّبَ مثلاً ، وادّعى الفاضلُ عدم صحّته ، أو ادّعى المفضولُ قبحَ التورية ، وادّعى الفاضلُ عدمَ قبحها ، فالحجّة هي ما يراه الشخص من خلال عقله وتـفكيره ، لا ما يراه غيرُه من خلال عقله وتـفكيره ، فإنّ الأحكام العقلية وجدانية ، لا تقبل النقاش عادةً إلاً من باب التـنبـيه ، وذلك كما في الإستدلال على مسلكَي قبح العقاب بلا بـيان وحقّ الطاعة ، وكما في قاعدة الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي .. وكذا الأمر في سائر الموارد .
* الجهة الثانية : في موضوع التقسيم ، وهو تـثليث الأقسام التي ذكرها الشيخفقد قال : "إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشكّ" ، ولا شكّ في أنه ناظر في تقسيمه هذا إلى التقسيم النظري ـ أي مع غضّ النظر عن أحكام هذه الأقسام الثلاثة ـ ولا بأس بتقسيمه الثلاثي هذا ، لأنّ أبحاث كتابه ثلاثة لا إثـنين ، بحث القطع وبحث الظنّ وبحثُ الشكّ ، ولكلّ موضوعٍ وظيفةٌ ، وإلاّ ـ أي لو لاحَظَ الأحكامَ ـ فمن المعلوم أنّ الظنّ قد يدخل في القطع إذا كان معتبراً ، وقد يدخل في الشكّ إن لم يكن معتبراً ، فتصير الأقسام بلحاظ الحجيّة قسمين فقط إمّا معتبرة وإمّا غير معتبرة .