دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٦٠ - أصالةُ الـثبات في اللغة وعدمِ النقل
واضحة في الأمر ـ لم توقع فقهاءَ أواخر عصر النصّ بمشكلةٍ ولم يَصِرْ هناك سيرةٌ كبـيرة واضحة حتى نقول بأنّ سكوت المعصومين المتأخّرين أمارةُ رضاهم عن هذه السيرة .
ويَرِدُ على الثالث : أنّه لم يُعلم نظرُ الشارعِ المقدّس في روايات الإستصحاب إلى استصحاب المعنى السابق القديم إلى زماننا هذا ، والأصلُ عدمُ النظر ، أو قُلْ الأصلُ عدمُ التعبّد حتى يُعلم التعبّدُ بدليل واضح ، على أنّ الإستصحاب المدّعى هنا يُتصوّر بأحد نحوين :
الأوّل : على أساس أنه استصحابٌ قهقرائي ـ وهو غير استصحاب الحالة السابقة ـ لأنك تريد أن تُـثْبِت أنّ المعنى الذي نفهمه اليوم هو نفس المعنى الذي كانوا يفهمونه في أيام النصّ .
والثاني : على أساس أنه استصحاب للحالة السابقة التي تُـثْبِتُ بقاءَ المعنى القديم إلى زماننا الحالي.
ويَرِدُ عليهما أنّ الإستصحابَ القهقرائي لا دليل عليه ، لا شرعاً ولا عقلاً ، واستصحابُ بقاء المعنى القديم إلى زمانـنا الحالي هو ـ في المقام ـ أصلٌ مُثْبِتٌ ، لأنه يريد إثباتَ بقاء اللغة على ما كانت عليه وهو أثر غير شرعي .
مثال ذلك : قال الله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ، وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ، إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ][٥٦١] ، فما هو المراد من قوله تعالى [نجَس] ؟
كان معنى [نجَس] في عصر الجاهليةِ ـ على الغالب ـ القذارةَ المعنوية ، لأنهم كانوا في المدينة المنوّرة ـ حيث نزلت الآية ـ كانوا بالغالب وثـنيين قبل مجيئ رسول الله (ص) إليهم ، فكانوا يقولون ـ كما في أقوال رسول الله (ص) ـ ... فطهّروا نفوسَكم من كل دنس ونجَس ... ولا يصيـبُنا نجَسُ الشرك ولا سفاح الكفر و ونظَّفَ قلبَه من نجاسة الذنوب و فأزِلْ نجاسةَ ذنوبِك بالتضرّع ... [٥٦٢] ورَوَى أنَسٌ عن النبي (ص) أنه نهى عن لحوم الحمر وقال إنها نجَس [٥٦٣] ، كما وكانوا يستعملون لفظة "طاهر" في
[٥٦١] سورة التوبة ـ ٢٨ . نزلت هذه الآية في مكّة المكرّمة في السنة التاسعة للهجرة ، وهي السنة التي أذّنَ فيها أميرُ المؤمنين عليّ (ع) بالبراءة ، ومنع الطواف في البـيت عرياناً ، ومنع حجّ المشركين ، وكان المشركون علَى عتَبة الإستـئصال بعد إيذان [براءة] ولم يَـبقَ لهم إلا أربعةُ أشهر ، إلا شرذمة قليلة من العرب كان النبـي (ص) عاهدهم عند المسجد الحرام إلى أجل ما بعده من مُهَل ، فالجميع كانوا في معرض قبول الإسلام .
[٥٦٢] راجع شرح الحلقة الثالثة للمؤلّف ج ١ ، بحث الحقيقة الشرعية ص١٩٧ .
[٥٦٣] الإنـتصار للشريف المرتضى ص ٤١١ . أقول مع أنها طاهرة بالإجماع !! بل ترى السيد المرتضى يدّعي الإجماع حتى على خلاف الثابت عند الشيعة كنجاسة لحم الأرنب فقال "لحمُ الأرنب حرام عند أهل البـيت عليهم السلام وقد وردت روايات كثيرة بذلك ولا خلاف بين الشيعة الإمامية فيه ، والأرنب عندهم نجس لا يستباح صوفه" (إنـتهى) وهو عجيب وغريب .