دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣١٠ - التطبـيق الثامن حُكْمُ ملاقي بعضِ أطراف العلم الإجمالي
نعم ـ مع ذلك ـ يجب الإجتـناب عن ملاقِي الطرف الأعلى لحكم العقل بـبقاء لزوم الإجتـناب عن الطرف الأعلى للعباءة حتى بعد تطهير الطرف الأسفل ، إذ لا فرق عقلاً ـ في لزوم الإجتـناب عن كل واحد من الطرفين ـ بين ما لو طُهِّرَ الطرفُ الأسفل وما لم يطهّر ، لعدم دخالة تطهير الأسفل بـبقاء لزوم الإجتـناب عن الأعلى ، وهذا كما لو فرضنا أنّ كلا طرفَي العباءة أسود وبـيضنا الطرفَ الأسفل فقط فهل يـبـيضُّ الطرفُ الأعلَى تلقائياً ؟!
ومع كل ذلك لا يمكن لك أن تقول بأنّ الطرف الأعلى للثوب نجسٌ ، لأنّ قولك (الطرف الأعلى نجس) لا دليل عليه بوجه ، وهذا أيضاً يعني أنّ الملاقِي للثوب ـ أي البدن ـ نجس ، وهذا لم يثبت لا بالإستصحاب ولا بغيره .
نعم لو كان الأثر الشرعي يترتّب على استصحاب الكُلّي فقد قيل بجريانه كما فيما لو علم بحدوث حَدَثٍ منه قبل ساعة ، وتردّد الآن في أنه هل كان حدَثاً أصغرَ أم كان حدثاً أكبر فتوضّأ ولم يغتسل ، فالأثر الشرعي لاستصحاب بقاء الحدث ـ على أيّ حال ـ هو حرمةُ مسّ كتاب الله تعالى لقوله تعالى[لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ][٢٦٣] على أساس أنّ حرمة المسّ مترتّبة شرعاً على كلّيّ الحدث لا على خصوص الحدث الأصغر أو الأكبر . لكن سيأتيك في بحث الإستصحاب/ القسم الثاني من استصحاب الكلّي عدمُ صحّةِ هذا القول ، فإنّ حرمة مسّ كتاب الله تـترتّب على نفس الحدث الجزئي الخارجي ، لا على كلّي الحدث الأصغر ، فضلاً عن أن تـترتّب على كلّيّ الحدث ، لذلك لا يصحّ استصحاب الكلّي هنا ، لأنه ليس الكلّي هو موضوع الحرمة ، فليس هو المستصحَبَ الحقيقي ، وإنما يحرم عليه أن يمسّ كتابَ الله من جهة العلم الإجمالي بحدوث حدث خارجي منه ، إمّا البول وإمّا المنيّ ، فيحكم العقل بحرمة المسّ عقلاً حتى يعلم برفع كلا الحدثين ، وهو ما يسمّى بأصالة الإشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني .
* * * * *
[٢٦٣] الواقعة ـ ٧٩ . هذا بناءً على دلالة هذه الآية على حرمة المسّ ، ولكنـنا أثبتـنا في محلّه عدمَ دلالة هذه الآية على حرمة المسّ ، وأنّ المراد بـ [المطهّرون] هنا هم الملائكة والنفوس العالية وأهمّهم نبـينا محمد وآل محمد عليهم أفضل صلوات الله وسلامه ، وعلى الأقلّ هناك شكّ واضح في دلالتها على ذلك .