دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٣ - المـقـدّمـة
شهر رمضان ويترتّب على هذا أنّ ما بعده هو يوم العيد التعبّدي" ، وهذا الإستصحابُ يُجريه كلُّ علمائـنا قاطبةً ولا يَرَون فيه أصلاً مثبتاً .
كما وفصّلنا في مسألة الإستصحاب في الأمور التدريجيّة ، فأجريناه في الحركة المتّصلة كحركة اليد من جهةٍ إلى جهة ، لأنها حركة واحدة بسيطة كالزمان ، ولم نُجْرِهِ في الحركات المتعدّدة ـ كما في المشي والأكل والتكلّم ـ لأنها حركات متعدّدة حادثة ومتصرّمة ، أي أنّ بعضَها متصرّم والآتي لم يأتِ بَعدُ .
كما أنّ المعروف في بـيان مسلك الحكم المماثل هو أنّ المولى تعالى يجعل حُكْماً ظاهرياً مماثلاً لمؤدّى الأمارة أو للوظيفة العملية ، ولمّا كان هذا البـيان باطلاً ـ لأنه حُكْمٌ لغويٌّ لا داعيَ له بعد إعطاء الحجيّة للأمارة وللأصل ـ لم يتبنّاه أحدٌ في العالمين . لذلك شرحناه بطريقة أخرى كي يكون صالحاً للتصديق ، وهو أنّه ليس المراد هو جعل حكم آخر كي يقع المولى باللغوية ، حاشا لله ذلك ، وإنما المراد هو اعتبار مؤدّى الأمارة ومؤدّى الأصل العملي حُكْماً شرعياً ظاهرياً ، فلو فرضنا أنّ ثقةً أخبرك بتطهيره للثوب بعد نجاسته فإنّ عليك أن تبني على طهارته بناءً على هذه الأمارة ، هذه الطهارة هي حكم شرعي ظاهري ، وهذا هو مرادنا من جعل الحكم المماثل ، وكان الأَولى ـ بناءً على هذا الفهم ـ أن يسمّى هذا المسلك (مسلك اعتبار الحكم المماثل) ، ثم لو شككنا في طروء النجاسة على الثوب لاستصحبنا طهارتَه ، هذه الطهارة المستصحَبة هي أيضاً مرادنا من جعل الحكم المماثل ، وإلاّ لو لم تكن هذه الطهارة التي بنينا عليها ـ بناءً على الأمارة أو الأصل ـ حُكْماً شرعياً فكيف إذن نستصحبها ؟ وهل نقول هي حكم عقليّ أو عرفي ؟! لا ، بل لا بدّ أن نقول هي حكم شرعي ، بحيث لو سألنا نبـيّاً ـ مثلاً ـ عن حُكْمِ الثوب الذي كان طاهراً بناءً على حجيّة خبر الثقة لقال لنا "حُكْمُه الطهارةُ ظاهراً" ، وهذا ـ كما قلنا ـ هو المراد من جعل الحكم المماثل ، ولذلك قلنا بأنه كان الأَولى ـ بناءً على هذا الفهم ـ أن يسمّى هذا المسلك (مسلك اعتبار الحكم المماثل) وإلاّ لولا كونُه حكماً شرعياً لما صحّ استصحابُه .
كما وذكرنا في هذا الكتاب هذا أنّ كلّ قطع موضوعي شرعي ظاهرٍٍ في الصفتيّة هو في الواقع قطعٌ طريقي ، وذلك لكاشفيّة قيام الأمارة والأصلِ مَقامَ القطعِ الموضوعي عن كونه طريقياً ، وإلاّ فلو قلنا بأنه صفتي ، ثم تـنزَّل الشارعُ المقدّسُ فقال بقيام الأمارة والأصل مقامَ القطع الصفتي ، فصار بحكم الطريقي ، فهو تطويل للمسافة ولَغْوٌ محض ، سبحانه وتعالى عمّا يقولون .
وسوف نوضّح المرادَ من الكلّي الطبـيعي في بحث استصحاب الكلّي حيث سنقول بأنّ المراد من الكلّي الطبـيعي هو الناظر إلى مصاديقه الخارجية ، أمّا لو كنتَ تـنظر من الكلّي إلى جهة كونه كليّاً