دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٨ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
وقال الشيخ الطبرسي: "هي الخصلة من العبادة ، يظهر فيها معنى الرَّهْبَة ، إما في كنيسة أو في انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يَظهر فيها نُسُكُ صاحبِها ، والمعنى : ابتدعوا رهبانيةً لم نكتبها عليهم . وقيل : إنّ الرهبانية التي ابتدعوها هي رفْضُ النساء واتخاذُ الصوامع عن قتادة قال : وتقديره ورهبانيةً ما كتبناها عليهم إلا أنهم اتبعوها [ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها] ، وقيل : إن الرهبانية التي ابتدعوها هي لحاقُهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبيّ (ص) فما رعاها الذين بَعدهم حقَّ رعايتِها ، وذلك لتكذيـبهم بمحمد wعن ابن عباس . وقيل : إن الرهبانية هي الإنقطاع عن الناس للإنفراد بالعبادة [ما كتبناها] أي ما فرضناها عليهم . وقال الزجاج : إنّ تقديره ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، و[ابتغاء رضوان الله] اتباع ما أَمَر به ، فهذا وجه ، قال : وفيها وجه آخر : جاء في التـفسير أنهم كانوا يرَون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه ، فاتخذوا أسراباً وصوامع ، وابتدعوا ذلك ، فلما ألزموا أنفسَهم ذلك التطوعَ ودخلوا عليه لَزِمَهُم إتمامُه ، كما أنّ الإنسان إذا جعل على نفسه صوماً لم يُفرَض عليه لَزِمَهُ أن يُتِمَّه . قال : وقوله [فما رعوها حق رعايتها] على ضربين : أحدهما : أن يكونوا قصَّروا فيما ألزموه أنفسَهم ، والآخر وهو الأجود : أن يكونوا حين بُعِث النبيّ (ص) فلم يؤمنوا به كانوا تاركين لطاعة الله ، فما رعَوا تلك الرهبانية حق رعايتها ، ودليل ذلك قوله [فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم] يعني الذين آمنوا بالنبيّ (ص) [وكثيرٌ منهم فاسقون] أي كافرون . إنـتهى كلام الزجاج . ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول الله (ص) على حمار فقال : يا ابن أم عبد ! هل تدري من أين أَحدَثت بنو إسرائيل الرهبانيةَ ؟ فقلت : اللهُ ورسوله أعلم ، فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ، يعملون بمعاصي الله ، فغضب أهل الإيمان ، فقاتلوهم فهُزِمَ أهلُ الإيمان ثلاثَ مرات ، فلم يـبقَ منهم إلا القليلُ ، فقالوا : إن ظَهَرْنا لهؤلاء أفْنُونا ولم يـبقَ للدين أحدٌ يَدعو إليه ، فتعالَوا نـتـفرقْ في الأرض إلى أن يـبعث الله النبيَّ الذي وَعَدَنا به عيسى t، يَعنون محمداً (ص) ، فتـفرقوا في غِيران الجبال وأحدثوا رهبانية ، فمنهم مَن تمسك بدينه ، ومنهم من كفر ، ثم تلا هذه الآية [ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم .. ] إلى آخرها ، ثم قال : يا ابن أم عبد ! أتدري ما رهبانية أمتي ؟ قلت : اللهُ ورسوله أعلم ؟ قال : الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة ، وعن ابن مسعود قال : دخلت على النبيّ (ص) فقال : يا ابن مسعود ! اختلف مَن كان قبلَكم على اثـنـتين وسبعين فرقة ، نجا منها اثـنـتان ، وهلك سائرُهن : فرقة قاتلوا الملوكَ على دين عيسى tفقتلوهم ، وفرقة لم تكن لهم طاقة لموازاة الملوك ، ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم