دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥١٥ - الكلامُ في حجيّة إخبار الثـقة في الموضوعات
السابقين كانوا رجالاً عاديـين ـ لا ملائكة ـ إلاّ أنهم كان يوحَى إليهم فقط ، لاحِظْ قولَه[وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبـينَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبين لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتـفكَّرُونَ (٤٤)] أي اسألوا الخبراء ليحصل عندكم علم وجداني ، لا عِلْمٌ تعبّدي ، لأنها في مقام المجادلة مع الكفّار ، والكفّارُ لا يعتبرون العِلْمَ التعبّدي الشرعي أصلاً ، فالآيةُ لا تدلّ على حجيّة خبر الثقة بوجه .
* وكذلك الروايات تـفصّلُ بين الاُمور الخطيرة كالإخبار عن الغَير بالزنا أو اللواط ، والاُمور الحقيرة كعَزْلِ الموكِّلِ عن الوكالة ، والمتوسّطة الخطورة كدخول شهر رمضان وكما في الدعاوَى العاديّة بالمال ونحوه ، وهي على طائفتين :
أمّا الطائفة الاُولى التي ادُّعِيَ إفادتُها الحجيّةَ لخبر الثقة فهي :
١ ـ ما رواه في الكافي عن محمد بن عبد الله الحِمْيَري ومحمد بن يحيى جميعاً عن عبد الله بن جعفر الحِمْيَري عن أحمد بن إسحاق (الرازي ثقة رضيَ اللهُ عنه) عن أبي الحسن (الهادي) (ع) قال : سألتُه وقلتُ : مَن أعامل ؟ وعمَّنْ آخذ ؟ وقولَ مَن أَقبَلُ ؟ فقال : العَمْري ثقتي ، فما أدَّى إليك عنّي فعَنّي يؤدّي ، وما قال لك عني فعَنّي يقول ، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون ، قال : وسألت أبا محمد (ع) عن مثل ذلك فقال : العَمْرِيُّ وابنُه ثـِقتان ، فما أدَّيا إليك عَنّي فعَنّي يؤدّيان ، وما قالا لك فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثقتان المأمونان [٥٠٦] (صحيحة من الصحيح الأعلائي) ، وذلك بتقريب استخدام العلّة في تصديق إخبار العَمْري وابنه ـ وهي الوثاقة ـ ، فلأجل هذه العلّة قُبِلَ ادّعاؤهما بأنّ هذه الرسائل هي رسائل الإمام (عج) .
فإن قلتَ : لكن يحصل العلم الوجداني بصدق ادّعاء هذين الثقتين المأمونين ، فلا تدلّ هذه الرواية على ما نريد ، وهو حجيّة خبر الثقة في الموضوعات تعبّداً وشرعاً مع عدم حصول العلم أو الإطمئـنان.
قلتُ : ما ذكرتَه مِن حصول العلم الوجداني أمر صحيح ، لكنّ الإمام يعرف ماذا يقول ، فلم يقل بأنّ العلّة هي حصول العلم ، وإنما قال بأنّ العلّة في تصديقهم هي الوثاقة ، فقد فرّع حجيّةَ قوله على الوثاقة ، وبالتالي نحن نـتمسّك بالتعليل والتـفريع الواضحَين مِن حرفِ الفاء في قوله t العَمْري ثقتي
[٥٠٦] ئل ١٨ ب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ٤ ص ٩٩ .