دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٨٠ - التطبـيق الرابع إختصاص الأصل المؤمّنِ بـبعض الأطراف
ورغم وضوح ما ذكرناه قال السيد الشهيد هنا ـ في هذه الصورة الثانية ـ : "أن يكون الأصلُ النافي لو خُلّي ونفسه جارياً في كلا الطرفين ، لكنّه كان محكوماً في أحد الطرفين لأصل مثبِتٍ مثلاً ، كما لو جرت أصالةُ الحِلّ في نفسها في كلا الطرفين ، وكان الإستصحاب في أحدهما مثبتاً للحرمة ، فيقال عندئذ : إنّ أصالة الحلّ تجري في الطرف الآخر ، لأنّها غير مبتلاة بمشكلة المعارضة ، لسقوط ما يعارضها بحكومة الإستصحاب عليه . وهذا الكلام صحيح .." (إنـتهى) .
أقول : مِنَ الخطأ الواضحِ جريانُ أصالة الحلّ في الإناء الأبـيض ـ بذريعة عدم المعارضة ـ فيجوز ح شربه !!
* ثم أعطى السيد الشهيد مثالاً آخر فقال : "لو علم إجمالاً إمّا بنجاسة هذا الشيء ـ مع كون حالته السابقة الطهارة ـ وإمّا بوجوب الإنفاق على هذه المرأة لاحتمال كونها زوجة ـ منشأُ الشكِّ هو أنها كانت مسلمة سابقاً ثم كفَرَتْ ، وعَقَدَ عليها الزوجُ ، لكنه شَكّ في أنّ عقْد الزواجِ كان حينما كانت لا تزال مسلمة فيكون الزواج صحيحاً قطعاً [٢٣٧]، أو كان بعدما ارتدّت فيكون فيه عند بعضهم إشكال[٢٣٨]ـ فتعارَضَ استصحابُ طهارة ذاك الشيء مع استصحاب عدم زوجيّة هذه المرأة ، وجرى
[٢٣٧]) لكنْ رغم بقاء زواجهما فقد وَرَدَ في التهذيـب بإسناده الصحيح عن محمد بن علي بن محبوب عن يعقوب بن يزيد (ثقة فقيه) عن (محمد) ابن أبي عمير عن حمّاد (بن عثمان ثقة جليل القدر فقيه) عن أبي عبد الله (ع) في المرتدَّة عن الإسلام قال : لا تُقتَلُ ، وتُستخدَم خدمةً شديدة ، وتُمنع الطعامَ والشراب إلا ما يُمسِكُ نفْسَها ، وتُلبَسُ خَشِنَ الثياب ، وتُضرَبُ على الصلوات ، ورواها الصدوق بإسناده عن حمّاد (بن عثمان) عن (عبـيد الله بن علي) الحلبي مثلَه إلا أنه قال أخشن الثياب . وفي التهذيـبـين عن محمد بن علي بن محبوب أيضاً عن محمد بن الحسين (بن أبي الخطّاب ثقة فقيه عين) عن محمد بن يحيى (الخثعمي أو الخزّاز وكلاهما ثقتان) عن غياث بن إبراهيم (ثقة بتريّ) عن جعفر عن أبـيه عن علي ّ (ع) قال : إذا ارتدّت المرأةُ عن الإسلام لم تُقتَل ولكن تُحبَسُ أبداً موثّقة السند ، وفي التهذيـبـين بإسناده عن الحسين بن سعيد عن الحسن بن محبوب عن عباد بن صهيـب عن أبي عبد الله (ع) قال : المرتدُّ يستـتاب فإن تاب وإلا قتل ، والمرأة تُستـتاب ، فإن تابت وإلا حُبِسَتْ في السجن ، واُضِرَّ بِها موثّقة السند ، وهذا هو جوّ سائر الروايات الصحيحة . راجع هذه الروايات في ئل ١٨ ب ٤ من أبواب حدّ المرتدّ من كتاب الحدود والتعزيرات ص ٥٤٩ .
([٢٣٨]) وإن كان نِكاحُ النصرانيةِ واليهوديةِ في نفسه جائزاً قطعاً ، ولكنه مكروه جدّاً ، فإنّ هذا هو مقتضى الجمع بين الروايات ، بل هذا هو المشهور روائياً ، وهذا يدلّ على أنه هو الذي كان مشهوراً في زمن المعصومين (ع) ، ممّا يـبعُدُ معه الحَملُ على التقية ، بل لقد رُوِيَ أنّ عمّاراً نكح نصرانية وحُذَيفة نكح يهودية ، بل وروي أيضاً أنّ طلحة نكح نصرانية أيضاً . وهو رأيُ الصدوقين ـ الشيخ علي بن الحسين بن بابويه وولده الشيخ الصدوق في المقنعـ وابنِ أبي عقيل العُماني والشيخِ المفيد في أحد أقواله ـ في المسائل الغريّة ـ والشهيدِ الثاني في المسالك ـ في السبب السادس : الكُفْرُـ والسيد محمد العاملي في نهاية المرام والفاضلِ الهندي في كشف اللثام وصاحبِ الجواهر وغيرهم .
نعم ينبغي على المسلم أن يحاول أن لا يُنْجِبَ منها أطفالاً خوفاً من أن يتـنصّروا أو يتهوّدوا ، بل لا شكّ في أنّ المشركاتِ ـ سواءً كنّ من أهل الكتاب أو من غيرهمـ يدعون إلى النار ولو عملياً وبالتدريج ولدوام المعاشرة ولاقتضاء المعاشرةِ المداراةَ والإهمالَ لبعض تصرّفاتهنّ وعدم التدقيق فيها ، فيتأثّر المسلمُ من حيث لا يعلم ومن حيث لا يلتـفتُ ، فيأخذ منها هو وأولادُهما الإستهتارَ بدين الله لا محالة ، على ما رأينا كثيراً ، ولذلك يقول الله تعالى [أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الجَنَّةِوَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ]ويقول تعالى بعد ذلك مباشرةً [ وَيـبـين آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ] وهذا تأكيدٌ لهذا الأمرِ الخطير جداً ، فإنّ قضية دخول النار من أهمّ القضايا في حياة الإنسان ، ولذلك هذا الزواج يقتضي شدّة الإحتياط .
وبتعبـيرٍ آخر : هذا الذيلُ المبارك ـ وهو قوله تعالىأُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ... ] ـ بمثابة التعليل للنهي عن نكاح المشركات فينبغي الإلتـفات إلى ما تـفعله المشركة ولو من باب عاداتهم الباطلة ، بل قال الإمام الصادق (ع) في بعض الروايات الصحيحة واعلمْ أنّ عليه في دينه غَضاضةً كما ظهر ذلك في دين طلحة لعنه الله ، إضافةً إلى أنّ في الزواج ولوازمه مودّةً ـ كما قال الله تعالىـ ولا ينبغي للمؤمن أن يوادّ أهلَ النار الذين يقولون عزيرٌ ابنُ الله أو المسيحُ إبن الله ... [ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكون ] .
ومن شدّة كراهة التـزوّج من النصرانية واليهودية استـفاضتِ الرواياتُ في النهي عن التزوّج منهما مع كونه متزوّجاً من مسلمة ، كرامةً للمسلمة ورَفْعاً لها عن النصرانية واليهودية ، وكي لا يَدخُل غَيظٌ على المسلمة بسبب النصرانية أو اليهودية . بل إنه إذا كان متزوّجاً من مسلمة لا يكون بحاجةٍ ـ عادةًـ إلى الزواج من نَصرانية أو يهودية ، وإن كانت الروايات تشيرُ إلى عدم النهي مع عدم الزوجة المسلمة، ولذلك إذا كان مضطرّاً إلى الزواج فينبغي له أن يقتصر على النكاح المؤقّت منهما وبمقدار الضرورة ، وليكن زواجُه من العفيفاتمنهنّ والبُله أي اللواتي لا ينصبنَ العداوةَ للإسلام ولا يعرفْنَ شيئاً . وأخيراً على المؤمن أن يعلمْ أنه لا ينبغي أن يَدخُل في قلبه حبُّ المغضوبِ عليهم ولا الضالّين .