دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٨٣ - * تحديد المقدّمة الواجبة وقصد التوصّل
العمليّة إذَنْ في معرفة اتّصاف المقدّمة ـ بعد تحقّق غايتها ـ بالوجوب العقلي أو عدم اتّصافها ؟! سواءً دخل الشخصُ إلى أرض الغير بغير إذنه ـ أي غصباً ـ بنيّة الإنـقاذ أو لا ، ما الفائدة ؟ فإنه لا يزيد عن كون اتّصافها بالوجوب بنحو الإخبار لا بنحو الإنشاء ، إذن لا فائدة عمليّة من معرفة اتّصافها بالوجوب أو بعدمه ، وهذا أشبه شيء بإرادة معرفة لون ناقة نبي الله صالح t!! فأنت تعلم أنّ الأحكام العقليّة تـنجيزيّة ـ أي فاعلة ومحرّكة ـ ، فبَعدَ تحقّقِ الغايةِ ، أيُّ تـنجيزٍ يوجد لحكم العقل بوجوبها ؟! نعم ينبغي أن يُسأل عن الثواب والعقاب ، وقد عرفت أنهما متوقّفان على النيّة .
بـيان ذلك : لو دخل شخصٌ أرضَ الغير من دون إذنه ولغير إنـقاذ الغريق ـ سواءً كان يعلم بوجود غريق ولا يريد إنـقاذه أو لا يَعلم بوجوده أصلاً ـ فدخولُه هذا ليس واجباً عليه بحكم العقل ـ أي على مستوى التـنجيز ـ حتى وإن تبدّل رأيُه حين وصل إلى الغريق فأنقذه ، وإنما كان ـ على مستوى التـنجيز ـ محرّماً عليه عقلاً ، بسبب سوء نِـيّتـِه ، ويستحقّ العقابَ على هذه المقدّمة لأنه كان عاصياً ، بمعنى أنّ العقل يحكم عليه بحرمة دخول أرض الغَيرِ إلاّ إذا كان يقصد الإنـقاذ فإنه ح يجب عليه الدخول . ومن هنا تعرف أنّ قصد التوصّل دخيل ـ إضافةً إلى القدرة ـ في إيجاب المقدّمة أو في تحريمها ، لا في أصل كونها مقدّمة ، فلو اغتسل من دون قصد غُسل الجنابة مثلاً ، لم يقع الغسلُ الواجبُ ، ولو دَفَعَ شخصٌ مديونٌ لزيد مئةَ دينار لزيد من دون قصد أداء الدَين لم يُحتسَبْ له من الدَّين ، ولذلك نـقول يجب قصْدُ الوجهِ ليقع كما قُصِد . وكذا لو شرب الخمرَ وهو يجهل أنه خمر لم يحتسب حراماً عند الله ، لأنه لم يَقصد شربَ الخمر ، ومن هنا تَعرفُ وجوبَ القصد ليُكتَبَ ـ عند الله وعند الناس ـ الفعلُ كما قُصِدَ ، وأغلب الظنّ أنّ قصد الشيخ الأنصاري هو هذا .
وقد تسأل عمّن دَخَلَ أرضَ الغير من دون إذن صاحبها ليتـنزّه فيها ويأكلَ ويشرب ، لكن صادف قبل دخوله إلى هذه الأرض أن عَلِمَ بوجود غريق يَغرَقُ في بِرْكَتها ، فتأكّدتْ نيّتُه بالدخول ، ففي هكذا حالة لا شكّ في اتّصاف نيّتَيه هتين بصفتين ، فَـنـِيّةُ دخولِها للتـنزّه قبـيحة ونيّتُه على الإنـقاذ حسنة ، وأمّا نفس الدخول فلا يتّصف بصفتين متضادّتين ، وإنما ـ بعد الكسر والإنكسار بين ملاك الدخول إلى الأرض المغصوبة بنيّة التـنـزّه وبين ملاك الدخول للإنـقاذ ـ يكون الدخولُ واجباً لا غير ، لكن إذا أنقذ الغريقَ فإنه يجب عليه الخروجُ فوراً ، وإلاّ فإنه من حين انـتهاء مهمّة إنـقاذ الغريق سوف يقع في الحرام .
*ثمرةُ مسألة الوجوب الغَيري