دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٣٣ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
عيد ، لا أنه يوم العيد الواقعي ، أو قُلْ : نحن إذا استصحبنا عدمَ انـتهاء شهر رمضان ، فتلقائيّاً وعقلائيّاً يجب علينا أن نصلّي صلاةَ العيدِ في اليوم التالي ليوم الشكّ[٨١٦].
*أمّا إن كان المستصحَبُ غيرَ سيّال ، كما في الحركات المتعدِّدة ، وهو ما يسمّى بالزمانيات ، أي الداخل تحت حكم الزمان ـ بخلاف العقول الغير داخلة تحت حُكْمِ الزمان ـ كما في مشي زيدٍ في البستان مُبْتَغِياً مكاناً مناسباً لقعوده وقعود عياله ، فإنـنا نعلم أنه سوف يتوقّف بعد قليل ، فهو لا يريد أن يتكلّف بزيادة المشي ، لذلك يرى العرفُ أنّ مشْيَهُ الزائدَ هو قطعاتٌ حادثةٌ زائدة على ما مشى سابقاً وفيها تكلُّفٌ ، خاصّةً إذا كان يسير بهدوء أي تخلُّلُ العدمِ واضحٌ في مشيه ـ بخلاف الطهارة التي توجد بكُلِّها في الزمان الأوّل ـ ، فاليقينُ متعلق بموجودٍ زائلٍ وهي الخطوات السابقة ـ بخلاف طهارة الثوب الباقية لولا طروءُ النجاسة عليه ـ ، والشكُّ متعلِّقٌ بحدوثِ موجودٍ آخر وهي الخطوات اللاحقة . ففي هكذا حالةٍ يَصعب عند العرف والمتشرّعة أن يستصحبوا مشْيَهُ ، وذلك لعدّة أسباب :
١ ـ لأنهم يَرَون مشيَه السابقَ منقوضاً بذاته ، فنحن ـ في الحقيقة ـ لا نستصحبُ مشْيَه وذلك للشكّ في حدوث مشيٍ جديد ، لا لوجود شكّ في بقاء المشي ، فالخدشةُ إذن هي في الركن الأوّل من أركان الإستصحاب ، لا في الركن الثاني ، أي أنّ عدم صحّة الإستصحاب منشؤه عدمُ العلّة ، لا احتمالَ طروء رافع .
[٨١٦] بهذه المناسبة ينبغي أن نَلْفِتَ النظرَ إلى أمرٍ مهم وهو : حينما يستصحبُ بعضُ الناس عدمَ دخول شهر رمضان في اليوم الفلاني فيَـبدؤون بالصيام في اليوم التالي فإنك تراهم يقيمون ـ تلقائياً ـ ليلةَ القدر في ليلة الـ ٢٣ بحسب يومهم الذي اعتبروه اليوم الأوّل ، فأقول : يحتمَل أن تـنزل الملائكةُ مرّتين ، مرّةً على قلب الإمام الحجّة (عج) وهو يكون في ليلة القدر الواقعية التي يعرفها الإمامُ (ع) ، ومرّةً في الليلة التي يعتبرها علماؤنا هي الليلة التعبّدية ـ وذلك يكون عند وجود غيم في السماء وعدم قدرة رؤية الهلال ـ ، أي تـنزل الملائكة مرتين ، مرةً مراعاةً لمعرفة الإمام (ع) بالليلة الواقعية ، ومرّة مراعاةً للناس المتعبَّدين بالليلة التالية ، ويحتمل أنّ الملائكةَ ـ إنِ اختلف الناسُ في تحديد اليوم الأوّل ـ لن تـنزل مرّتين على قلب الإمام الحجّة المنـتظر (عج) وإنما تـنـزلُ مرّةً واحدة فقط وهي في الليلة الواقعية ، بدليل قوله تعالى [تـنزّلُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها] أي في ليلة القدر الواحدة ، وليس في ليلتين ، في هذا المسجد ينزلون هذه الليلة ، وغداً ينزلون في المسجد الآخر ، أو في المدينة الأخرى ، أو في المِصْرِ الآخر . نعم ، لو اتّحد كلّ المؤمنين في كلّ الأمصار على يوم واحد ـ وهذا بعيدُ الحصول جداً ـ فإنه يُحتمَل جداً أن ينزلوا في تلك الليلة التي أجمع المؤمنون عليها . وهنا ينبغي توجيهُ العلماء للمؤمنين لهذا الأمر المهمّ ، وينبغي للعلماء لَفْتُ المؤمنين ولو بالسرّ إلى إقامة الليلتين المحتملتين في حال وجود ظنّ بكون الواقعِ مخالفاً للتعبّد ، ولو بإقامة الليلة المظنونة بنحو الإنفراد كي لا نُخِلَّ النظامَ العام .