دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤١٦ - * وأمّا في النقطة الثانية ـ وهي في الردّ على الأخباريـين ـ فالكلام فيها يقع في جهتين
وكذا الكلام في التشكيك في صحّة سيرة المتشرّعة والعقلاء وكاشفيّتها عن الحكم الشرعي ، فإنك لو أردت التشكيك في صحّة ما استقرّ عليه المتشرّعة والعقلاء فَعَلَى الإسلامِ السلامُ .
ثم ماذا نفعل مع الذي يقطع بحرمة الظلم شرعاً بناءً على مقدّمات عقلية ، ويقطع بوجوب مقدّمة الواجب عقلاً ، هل نقول له : لا ، ليس معلوماً أن يكونَ الظلمُ حراماً ، فقد يجوز ظلم الناس عند الله ، وقد يجوز التعدّي على أعراض الناس الأبرياء وأموالهم ودمائهم ، المسلمين والمعاهِدين ، وقد يجوز شرب المسكر ، وقد يجوز قتل أنبـياء الله ... !!! هل يصدّق العاقل بهذا ؟ فضلاً عن المسلم ؟ فضلاً عن المؤمن ؟
لا نحتاج إلى أذكياء العالَم ليجيـبونا ، وإنما نكتـفي بعوام الناس ونسائهم بل وأطفالهم .
والنـتيجة هي أنـنا نقول : إنه إن كانت علّة الحكم واضحةً ومعلومةً فإنه يجب ح أن نعتقد بأنّ المعلول موجود وثابت ، ولا يجب أن يكون مجردُ وقوع أخطاء في الأدلة العقلية مانعاً عن إمكان حصول العلم والقطع بالحكم الشرعي في بعض الحالات كما فيما لو كانت مقدّمات برهانـنا أو قُلْ مقدّمات قياسنا مؤلّفة من البديهيات الستة المعروفة والتي هي عبارة عن : الأوليات ـ ككون الكل أعظمَ من الجزء ـ والفطريات ـ التي لا يحتاج الجزم بها إلى أكثر من تصور الطرفين كقولنا : الأربعة زوج ـ والحسِّيّات ـ كالإحساس بالأمور المجردة النفسية كالعلم واللذة وكالإحساس بالأمور الخارجية ـ والتجريـبـيات والحدسيات الواضحة ـ كمعرفـتـنا بأنّ نور القمر مستـفاد من الشمس ـ والمتواترات ـ أي الأخبار الكثيرة جداً إلى حد يفيد الجزم عند أهل الخبرة أي إلى حدّ يستحيل خطؤها عقلاً أو عادةً كحديث غدير خمّ ـ والتي يعتبرونها معارفَ مضمونةَ الصحّة ضماناً ذاتياً .
ونِعْمَ ما قال سيدُنا الشهيد من أنّ "نفس دعوى الأخباري الجزمَ ـ بنحو الموجبة الكلية ـ بعدم إمكان حصول جزم من هذا القبـيل بسبب كثرة الأخطاء .. آيةُ بطلانِ هذه القضية الكلية ، فإنّ نفس هذا الجزم هو خلاف كلامهم المدّعى" (إنـتهى بتصرّف للتوضيح) .
نَعَم لا شكّ في اختلاف الناس في قوّة عقولهم ، فقد يَعلم شخصٌ بأمْرٍ لا يَعلَمُه غيرُه ، لكثرة علم الأوّل مثلاً دون الثاني .. فلا ينبغي أن يقاس الناس بمقياس واحد ...
فإن أرادوا أن يشكّكوا هم بأنفسهم وبقصور عقولهم فهم أحرار في أنفسهم ، لكن ليس لهم أن يشكّكوا بعقول غيرهم .