دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٠٤ - ٥ ـ الشكّ في اِطلاق دخالة الجزء أو الشرط
إذا كان الجزء أو الشرط جزءً أو شرطاً مطلقاً ـ أي حتى في حالة التعذر ـ كصيام كلّ ثانية في النهار إلى الليل ، فإنّ صيامَ كلِّ ثانية هو جزءٌ من مجموع الصيام ، فلو تعذّر على ذي العُطاش مثلاً الصيامُ لبعض الوقت ولو لدقيقة واحدة ، بمعنى أنه اضطُرّ فيها للشرب فشَرِبَ ، فإنـنا يجب أن نقول ـ كما يقول المشهور ومنهم السيد الخوئي ـ بوجوب شربه وبالتالي يـبطل صيامُه لأنه لم يحقّقِ الصيامَ كلَّ النهار ، ومعنى بطلان صيامه أنّ العاجز عن هذا الجزء أو الشرط لا يطالَب بالصيام الناقص ، فلا يجب عليه ح الصيامُ ، وكالمرأة التي حاضت أواخر النهار ، فإنّ صيامها يـبطل ، لأنّ ما فاتها من صيام صحيحٍ أواخر النهار قد أبطل صيامَها كلّه ، وهذا معنى ما يُقال عادةً ـ كالسيد الخوئي ـ من انـتـفاء الكلّ بانـتـفاء الجزء أو الشرط ، يقول السيد الخوئي "إلاّ في الصلاة حيث ورد أنها لا تسقط بحال" [٧٢٠] .وادّعى السيدُ الخوئي أنّ الأمر بالباقي الممكن ـ أي الأمر بالمقدار الميسور في المركّب ـ هو أمرٌ جديد وليس استمراراً للأمر السابق ، قال "وإذا ثبت بدليلٍ وجوبُ الإتيانِ بـبقية أجزائه فهو تكليف حادث جديد" (إنـتهى) .
أقول : ما ذكره المشهور من سقوط الكلّ بسقوط الجزءِ أو الشرط ـ بحسب الأصل ـ صحيحٌ ، لأنّ الأصل والظاهر أن يكون المركّبُ المطلوبُ كلاًّ واحداً وقطعةً واحدة ، كما في الصلاة عن طهارة ، فإنْ عَجِزَ الإنسانُ عن الطهارة فالأصلُ أن يَسقط وجوبُ الصلاة كلُّه ، وكما في عجز الشخص عن الصيام كلَّ النهار ـ كما في ذي العطاش المضطرِّ إلى الشرب ولو مرّةً واحدةً فقط ـ فإنـنا يجب أن نقول بـبطلان كلّ صيامه .
ولا يصحّ استصحاب بقاء سائرِ الوجوبات الضمنيّة المُمْكِنَة لإثبات بقاء وجوبِها ، وذلك لسبـبين :
أوّلاً : لا يوجد شيءٌ في اللوح المحفوظ إسمُه (واجب ضمني شرعي) إنما الموجود هو وجوب المركّب لا غير ، دليلُنا ظهورُ الأدلةِ ـ كأقيموا الصلاةَ وكُتِبَ عليكم الصيامُ وإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواوُجُوهَكُمْ ـ في كون المركَّب واجباً واحداً مترابطاً ، لا وجوباتِ مفكّكةً ومستقلّة عن بعضها ، والوجوباتُ التي نسمّيها ضمنيّةً ليست شرعيّةً ، أي لم يشرّعها الشارعُ المقدّس ، إنْ هي إلاّ مخترَعةٌ[٧٢١]في أذهانـنا من وجوب
[٧٢٠] دراسات في علم الاُصول ج ٢ / الكلام فيما إذا تعذّر بعض أجزاء المركّب ص ٢٦ و ج ٣ / تـنبـيهات الأقلّ والأكثر / الثالث قاعدة الميسور ص ٤٥٨ .
[٧٢١] تقول "إنْ هي إلاّ مخترَعةٌ" بضمّ التاء المربوطة ، قال الله تعالى [أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ] الأعراف ـ ١٨٤ ، ومِثلُها قولُه [وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ] يوسف ـ ١٠٤ ، و [إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ] النجم ـ ٢٣ ، وأيضاً إذا جاءت (ما) بدل (إنْ) فإنك تَضُمُّ خبرَ (ما) أيضاً كما قال تعالى [وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتـنا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ] الجاثية ـ ٢٤ ، [وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ] آل عمران ـ ١٨٥ و [وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ] الأنعام ـ ٣٢ .