دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٩٢ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
توضيح ذلك : قد يقول المولى مثلاً (.. فإذا عَلِمْتَ فقد قَذُرَ ، وما لم تَعْلَمْ فليس عليك شيء) فهذا قطع موضوعي صفتي ظاهراً ، طريقي واقعاً ، وذلك لأنه بنظر العرف والعقلاء بمعنى الدليل والحجّة ، ولذلك يرى المتشرّعةُ قيام الأمارة والأصل مكان هذا العلم ، فالمتشرّعةُ يفهمون منها أنه إذا أخبرَتْك بـينةٌ عادلةٌ بكون الشيء متـنجّساً فقد حرم أكله أو شربه أو الصلاة فيه ، وبتعبـير آخر : العلم هنا منظور إليه كمنجّز ومعذّر ، أي بمعنى الحجّة لا أكثر .
وتارةً يقول (إذا صِرْتَ عالماً فقيهاً مجتهداً في الشريعة فصلّ لله ركعتين شكراً) ، فهنا النظَرُ هو إلى صيرورتك عالماً ، أي أنّ العِلْمَ ـ أي صيرورتك عالماً فقيهاً ـ منظور إليه بنحو الصفتية .
ومثله ما لو قال لك مدير مدرسةٍ (إن صرت اُستاذاً في المادّة الفلانيّة فتعال إلينا لتُعَلِّم عندنا) فهنا أيضاً المنظور إليه هو (صيرورتك اُستاذاً في المادّة الفلانيّة) فهو موضوع الحكم ، أي أنّ العِلْمَ هنا والتخصّص في المادّة الفلانيّة منظور إليه كصفة تـتصف بها .
وقد يؤخذ الظنّ أيضاً في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة ، كما لو قال المولى (إن ظنـنـت بعدد الركعات فابْنِ على حسب ظنّك) .
وقد يؤخذ الشكّ أيضاً في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة ، كما لو قال لك المولى (إن شككتَ في النجاسة فابْنِ على الطهارة ، أو فاستصحبِ الحالةَ السابقة) .
لكنك عرفتَ قبل قليل أنّ الأصل في القيود هو دخالتها في الموضوع ، وهكذا يفهم العرف من اللفظ ، فعلينا دائماً أن نأخذ بظاهر الدليل ، وأن نعتبر العِلم الموضوعي صفتياً ، جرياً مع هذا الظاهر العرفي ، وإن كان الشارع المقدّس قد نزّل الأمارة منزلة القطع ، كما في الروايات المستـفيضة ، فلا نعود نقع في مشكلة لزوم تحصيل القطع الصفتي .
ثم قد يتصوّر أن يؤخذ القطع الموضوعي تمام موضوع الحكم بلا دخالة لإصابة المتيقّن للواقع، وتارةً يكون القطع الموضوعي جزء الموضوع وتكون إصابةُ الواقعِ هي الجزءُ الآخر .
ثم اعلمْ أنّ القطع الموضوعي يكون متعلّقاً دائماً بنفس القاطع وناظراً إليه ، كما في قولك (إن كنت قاطعاً بوجود خمر على المائدة فلا تجلس عليها) ولا يمكن أن يكون الشيء الخارجي ـ كالخمر مثلاً ـ هو القاطع ، فلو قال المولى (مقطوع الخمريّة حرام) فهو بمثابة قوله (إن كنت قاطعاً بوجود خمر على المائدة فلا تجلس عليها) تماماً ، وذلك لأنه لا يُتصوّر تعلّق القطع بنفس الشيء الخارجي إلاّ لفظاً فقط لا واقعاً , إذن قولُنا (مقطوع الخمريّة) النظرُ فيه إنما هو إلى القاطع لا إلى الشيء