دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٩٦ - ٩ ـ الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حُكْمِ المخصِّص
آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بـينَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ][٩٠٧]وليس المرجع هو (استصحابُ الحكمِ السابق الذي هو عدم الإنعقاد) والذي هو من قبـيل استصحاب حكم المخصِِّص ، وحيث إنّ التحقيق ـ كما مرّ معنا قبل أسطر ـ هو الرجوع إلى عموم العام في مثل المقام ـ حيث يدور الأمْرُ بـينه وبين الرجوع إلى استصحاب حكم المخصِّص ـ فإنه يتعين البناءُ على صحة العقد ونفوذِه ، ولا يصحّ التمسّكُ باستصحاب حكم المخَصِّص ليقال بعدم انعقادِ العقد من الأصل ، وذلك لأنه استصحاب في الشبهات الحكميّة . إذن ، لا يصحّ أن تقول بأصالة عدم حصول عقْدِ البـيع ، هذا أوّلاً ، وثانياً : لأنّ القدر المتيقّن من العقود الباطلة هو عقد المكرَه أي طالما هو مُكْرَه ، وأمّا إخراج (عقْدِ المكرَهِ بعد رضاه) من تحت [العقود] فأمْرٌ فيه شكٌّ واضح بل هو أمر مستهجَنٌ ، فيجب إبقاؤه تحت عموم [العقود] ، وذلك لأنه (عقَدَ) ، و(هو قاصدٌ للتلفظ بالعقد) ، ثم (رَضِيَ بعد ذلك) ، فتمّت الصغرى ، والكبرى هي [اَوْفُوا بِالعُقُودِ] و [إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ] ، ونحن عندنا شكٌّ بالتخصيص الزائد في عالَمِ الجعْلِ ـ وهو عقْدُ المكرَهِ بعد رضاه ـ ، فلذا صار من الطبـيعي أن نرجع إلى إطلاق [العقود] في [اَوْفُوا بالعُقُود] . والنـتيجة هي أنه يجب التمسّكُ هنا بعموم العام ولا يجري استصحابُ الحكمِ المخصِّص ، ولعلّه لما ذكرناه اشتهر القول بالصحّة بين الفقهاء .
أقول : لا شكّ في أنّ المكرَه لا قيمة للفظه ، لا عقلاً ولا عقلائياً ، فكأنه لم يتلفّظ ، إلاّ أنه حين رَضِيَ بالبـيع بعد زوال الإكراه فكانَ نقْلُ المالِ إلى الآخذ من باب الرضا بتسلط الآخذ ، لا من باب البـيع ، لأنّ البـيع بحاجة إلى لفظ ، وهنا اللفظ ساقط تماماً ، أي لا لفْظَ بنظر الناس ، ولا يجري استصحابُ عدم حصول النقل والإنـتقال وذلك لأنه لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه ، فإنْ طابت نفسُه حَلَّ للطرف الآخر من باب رفْعِ اليدِ لا من باب أنه بـَيعٌ وتجارةٌ ، أي أنّ العنوانَ تبدّل . والظاهر أنّ هذا هو مقصود مَن أنكر أنه عقدٌ كما رأيتَ قبل قليل . المهم هو أنّ هذه المسألة لا تـنزل تحت عنوان عموم العام ولا تحت استصحاب حكم المخصِّص الذي هو عدم حصول النقل والإنـتقال .
المثال الثاني : المعروف هو أنّ لصلاة الجمعة وقتاً معيّناً ـ وهو إمّا إلى أن يصير الظلُّ مِثْلَ الشاخص وهو المشهور والمنصور ، وإمّا إلى أن تمضي ساعةٌ من زوال الشمس فقط ـ ، فلو شككنا في حدوده وأردنا الصلاة بعد زوال الشمس بساعة ونصف مثلاً فهل لنا أن نصلّي الجمعةَ تمسّكاً باستصحاب بدليّة الجمعة عن صلاة الظهر ، أم علينا أن نـنـتقل إلى صلاة الظهر رجوعاً إلى العموم الأزماني للعامّ ؟
[٩٠٧] النساء ـ ٢٩ .