دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٦١ - مفهوم الجملة الحَصْرِيّة
أنّ هذا المفهوم هو مدلول مطابقي . والمصاديقُ المعروفةُ للقول السيِّئ في هكذا حالة هما الغِيـبةُ والشَّتْمُ ، فإنهما اللذان ينصرَفُ إليهما الذهنُ ، وفي مرسلة العياشي عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله (ع) في قول الله لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ] قال (ع) : مَن أضاف قوماً فأساء ضيافتَهم فهو ممّن ظَلَمَ ، فلا جُناحَ عليهم فيما قالوا فيه [١٣٩]أي مِن شتْمٍ وغِيـبة ، وقريب منها مرسلةُ العياشي أيضاً عن أبي الجارود عن أبي عبد الله tقال : الجهر بالسوء من القول أن يُذكَر الرجلُ بما فيه [١٤٠]أي من عيوبٍ كسُوءِ الأخلاق مثلاً .
المهم هو أنّ آيةَ [ لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ] تفيد أصالةَ كراهة الله جلّ وعلا للجهر بالقول السيّئ ، أي تـفيد عمومَ كراهةِ القول السيّئ ـ كالشتم والغِيـبة ـ فهو الأصلُ الأعلائي في المقام ، فما خرج منه هو استـثـناء ، فيُؤخذ ـ مع الشكّ بمقدار المستـثـنَى ـ بالقدر المتيقّن من المستـثـنَى . المهم هو أنّ المفهوم هنا هو (أمّا ما كان منطلِقاً مِنَ المظلوميّةِ فإنّ اللهَ يحبّه) ، والأحوط أن يكون من باب الإنـتصار للنفس والإنـتصاف من الظالم ، لقوله تعالى [وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنـتصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ، فَمَنْ عَفَاوَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انـتصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبـيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبـيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَوَيـبغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)] [١٤١] ، ومن الطبـيعي عدمُ جواز أنْ يزيدَ الإنـتصارُ للنفس على مقدار الظلم ، وإلاّ لصار المظلومُ ظالماً .
[١٣٩] ئل ٨ ب ١٥٥ من أبواب أحكام العِشْرة ح ٦ ص ٦٠٥ . والفضل بن أبي قرة تميمي ـ قال فيه النجاشي ـ "من السهند بلد من آذربـيجان . إنـتـقل إلى أرمينية ، روى عن أبي عبد الله (ع) ، لم يكن بذاك . له كتاب يرويه جماعة ، أخبرنا محمد بن جعفر قال حدثـنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثـنا محمد بن أحمد الكلأبي قال حدثـنا علي بن إسحق بن عمار قال حدثـنا شريف بن سابق عن الفضل بكتابه"(إنـتهى جش) . وقال عنه الطوسي في رجاله ... التفليسي . وفي رجال ابن الغضائري "هُوَ ضَعِيْفٌ ، مُضْطَرِبُ الأمْرِ " ، وقال فيه أيضاً "آذربـيجاني ، أصله كوفي" .
[١٤٠] تفسير العيّاشي ج ١ ح ٢٩٧ ص ٢٨٣ . في وثاقة أبي الجارود كلام معروفٌ ، ولكنـنا نوثّقه لتوثيق المـفيد له ولمدحه مدحاً بليغاً ، ولتوثيق سعد بن عبد الله له ، نقله النجاشي في ترجمة زياد بن عيسى ، وقاله ابن فضّال ، نَـقَلَه عنه الكشّي ، وقال العلاّمة ثقة صحيح ، ولا يضر فساد عقيدته بوثاقته .
[١٤١] سورة الشورى .