دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩١٢ - * أمّا الدليل المخصِّص
ثم بعد معرفة المدلول التصوّري لمجموع الكلام نـنظرُ إلى حال المتكلّم هل أنه متوجِّهٌ في هذا الكلام ويريد استعمالَ هذه الكلمات ، أم أنه مخطئ في كلماته ، وقالها كلَّها أو بعضَها اشتباهاً ، فإنْ عَرَفْنا أنه مخطئ كان به ، وإلاّ فمع عدم معرفتـنا بخطَئِه فإنّ العقلاء يحملون كلامه على الصحّة ـ لأنه الأصل في كلام العقلاء ـ وح نستفيد ـ من مجموع ظهور كلامه مع ظهور حاله ـ أنه يريد إفادةَ المعنى الفلاني على صعيد الإرادة الإستعماليّة ، حتى ولو كان هازلاً ، فإذا عرفنا ـ من ظهور حاله أيضاً ـ أنه جادٌّ إستـفدنا المدلولَ التصديقي الثاني ، وهو المراد الجدّي . ومن الطبـيعي أنّك ـ حين تريد استـفادةَ المعنى المرادِ إفادتُه في مرحلة الإستعمال ـ تلاحظ حالَ المتكلّم هل أنه يريد استعمالَ هذه الكلمة وهذه وهذه ، لتصل أخيراً إلى أنه أراد استعمال هذه الكلمات وليس مخطئاً فيها ، فتستـفيد بعد ذلك المدلولَ الإستعمالي المجموعي . لكن في مرحلة استـفادة المراد الجدّي ليس الأمْرُ هكذا ، وإنما السامعُ ـ بعدما تركّب المعنى المرادُ استعمالُه في ذهنه ـ يَنظُرُ إلى حال المتكلّم ليرى هل أنه جادٌّ في كلامه أو أنه هازل ، فهو عمَلٌ بسيط ، لا مركّب ، أي هو ـ في مرحلة استـفادة المراد الجدّي للمتكلّم ـ بخلاف تحقيقه في مرحلتَي الدلالتين التصوّريّة والإستعماليّة .
* ثم إنه دائماً يكون إخراجُ المخصِّص لبعض أفراد العام من تحت حكم العام لسببٍ مهم قد يغلب موضوعَ العام في الأهميّة والملاك ، وذلك لأنّ العام حينما كان السببَ في جعْلِ الحكم ، وكان المخصِّصُ سبـباً في رفْعِ الحكمِ ، إذن كان هناك مقتضي ـ في مرحلة الملاك ـ يقتضي رفْعَ حُكْمِ العام . هذا المقتضي الذي اقتضى التخصيصَ هو ذو قوى مختلفة ومتغايرة :
· فقد تكون المفسدةُ في ملاك الخاص أعظمَ بكثير مِن مصلحة إكرامه ، فتكون النـتيجةُ سبـباً في تشريع تحريم إكرامه ، كما إذا كان العالِمُ يرتكب الكبائرَ مثلاً فيحرّم ح المولى إكرامَه ، وكما في أدلّة (لا ضَرَرَ) ، فإنّ غُسْلَ الجنابةِ ذو مصلحةٍ إلزاميّة ، لكن ـ في حال الضرر المعتدّ به عقلائيّاً ـ يوجَد مفسدةٌ أعظمُ بكثير من مصلحة الإغتسالِ اقتضت تحريمَ الإغتسال ، لذلك كانت (لا ضرر) مخصِّصةً للأحكام الواقعيّة الأوّليّة .
· وقد تكون المفسدةُ في ملاك الخاص أكبرَ مِن مصلحة إكرامه ، لكنْ لا تَصِلُ المفسدةُ إلى حدّ التحريم ، فح تقتضي نـتيجةُ الكسر والإنكسار الحكمَ بكراهة إكرامه . ولنمثّلْ لذلك