دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٨٤ - التـنبـيه الثالث
واستدلّ بعضُهم على البراءة والحِلّيّة في مثال المائع المشكوك الخمرية باستصحاب عدم التكليف ـ بمعنى عدم الجعل ـ ، فلو شككتَ في خمرية مائعٍ فلك أن تستصحب عدمَ الجعل الواقعي ، فأقول : ذكرنا قبل قليل صحّة القول باستصحاب عدم الإنزال على قلب رسول الله wفلا نعيد وذلك لروايات إنّ اللهَ سَكَتَ عن أشياءَ لم يَسكت عنها نسياناً فلا تكلَّفوها ... .
* ولك أنْ تـفصِّلَ في المقام أكثر فتقول :
إن كان الشكّ في أصل وجود موضوع الحكم ، كما لو شُكّ في كون المائع الذي أمامنا خمراً ، وأنت تعلم أنّ موضوع الحرمة هو شرب الخمر ، فلا شكّ في جريان قاعدة الحِلّيّة للأدلّة السالفة الذكر ولوجوب حَمْل قول الشارع المقدّس "شربُ الخمرِ حرام" على معنى "شرب معلوم الخمرية حرام" وذلك لمعلومية أنّ الإنسان مكلّف بما يعلم ، وغيرُ مكلّف بما لا يعلم ، ومِثْلُها ما لو سمعنا بعض التواشيح وشككنا في كونها غناءً من باب الشبهة الموضوعيّة فلا شكّ في أنّ الشكّ في كونه غناءً يُنـتجُ الشكَّ في تحقّق الحرمة ، ومثلها ما لو شكّ نفسُ القارئ في كون ترتيله للتواشيح التي سوف يقرؤها في العرس الفلاني باللحن الفلاني هل هي غناء محرّم أم أنها تواشيحُ محلّلة ، فإنّ له أن يُجري البراءةَ ويرتّلَها ، ومِثلُها ما إذا قيل "لا تَكْذِبْ" وشَكّ المكلّفُ في كون التوريةِ كَذِباً أم لا ، فإنّ له أن يُوَرّي ح ، وذلك لعدم علمه بتحقيق موضوع الحرمة . لكنْ كلُّ هذا بعد مراجعة المجتهد في الأحكام الكلية ، لا لوحده ، وذلك لعدم كون العامّي من أهل الخبرة في هذا المجال . وهذا معنى قولهم المشهور بأنّ المقلِّد يطبّق ما يُفتي به المجتهدُ .
وكذا لو كان موضوع وجوب الإكرام هم علماء الحوزة كما في مثال "اَكرمْ علماءَ الحوزة" فمتعلّق متعلّق الوجوب هم علماء الحوزة ، وشككنا في عالميّة زيد الذي هو طالبٌ في مرحلة السطوح في الحوزة ، أي شككنا في تحقّق متعلّق متعلّق الوجوب ، والشكُّ في وجود متعلّق متعلّق الوجوب يُنـتجُ الشكَّ في أصل تحقّق وجوب إكرامه علينا ، فتجري البراءةُ الظاهريةُ عن الوجوب بلا شكّ ، فيَرْجِعُ المقلِّدُ إلى المجتهد ويسأله عن حكم هكذا مسألة فيُفتي له بعدم وجوب إكرامه بدليل الآيات وحديث الرفع وغيرِه ، والمقلِّدُ يطبّق .
وقد يكون الشكّ في أصل ثبوت الحكم في الواقع ناشئاً من الشكّ في تحقّق ملاك الحكم ، فإنك قد تشكّ بذلك إنْ وَرَدَك دليلٌ غيرُ تامٍّ سنداً أو دلالةً ، كما لو ورد في رواية ضعيفة "أكرِمِ العالِمَ" أو كانت الرواية صحيحة السند لكنْ دلالتُها لم تكن واضحةً ، فنشكّ في أصل وجود ملاك لوجوب إكرام العالِم ، فإنّ البراءة تجري بلا شكّ ، لأنّ الشكّ هو هنا في أصل وجود تكليفٍ علينا في الواقع . وفي