دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٤ - البراءة في الكتاب الكريم
تكليف وذلك بدليلٍ قرآني واضح وهو أنه لا يكلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ ما آتاها من علم ، والأئمّةُ (علیهم السلام) أعلمُ مِنّا بمراد الباري سبحانه وتعالى من الآيات الكريمة ، فلا بدّ أن نقول بالإحتمال الرابع .
فإذا كان الأمْرُ كذلك فسوف يكون المرادُ هكذا : لا يكلّف اللهُ نفساً بأيّ تكليف إلاّ بالتكليف الذي آتاها إيّاه ، والإيتاءُ هو التقْدِمَة والإعطاء ، وإيتاءُ كلّ شيء بحسبه ، أي تَقْدِمَةُ كلّ شيء بحسبه ، فلا يكلّفُها بفعلٍ ـ كالنفقة ـ إلاّ إذا قَدَّمَ لها القدرةَ عليه ، أي إلاّ إذا أقْدَرَها عليه وأعطاها القدرةَ عليه ، ولا يكلّفها بالكفِّ عن شيءٍ ـ كالصيام عن الطعام ـ إلاّ إذا قَدَّمَ لها القدرةَ على الكفّ عن الأكل ، أي إلاّ إذا أقدرها على الكفّ ، ولا يكلّفُها بحكمٍ إلاّ إذا قَدَّمَه لها أي أعلمها به وأعطاها إياه . هذا المعنى من الإيتاء واضح من خلال القرآن الكريم أيضاً ، لاحِظْ قولَه تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُوَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانـتهُوا][٦٣٧]أي ما أعلمكم وقولَه [خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍوَاذْكُرُوا مَا فِيهِ] [٦٣٨] أي ما أعلمناكم ، فالآيةُ تدِلُّ على البراءة الشرعية بوضوح .
وهنا فائدتان :
الاُولى : لا شكّ في جريان البراءة المستـنبَطة من هذه الآية الكريمة في الشبهات الحكميّة ـ أي الكلّيّة ـ والموضوعية ـ أي الجزئيّة الخارجيّة ـ ، فلو شكّ إنسانٌ في خمريّة مائع خارجيّ فهل له أن يقول بأنّ الله تعالى لم يُعْلِمْه بخمريّته فلا يفحص ؟ وهل له أن يقول أيضاً بأنه لا يعلم بوجوب الفحص فلا يفحص ؟
الجواب : لا شكّّ في وجوب الفحص إذا كان الأمرُ خطيراً ، كما لو شككنا في كون الطعام الذي أمامنا هل هو سالم أم فيه سمّ ، وكذلك إن لم يكن بهذه الخطورة فإنه يجب الفحص أيضاً إذا كان الفحص هو ما جرى عليه العقلاء ، والدليل على هذين الفرعين انصرافُ العقلاء عن إجراء البراءة الشرعية في هكذا حالة وفي الحالة السابقة بعد عدم إجرائهم لأصالة البراءة العقلية ، بالإضافة إلى أنّ الله تعالى هو رئيس العقلاء ، فما تسالم عليه العقلاء من وجوب الفحص والبحث في بعض الموارد لا يمكن للباري تعالى أن يخالفهم في ذلك ، وذلك كما فيما لو شكّ الإنسان في استطاعته المالية على الحجّّ وكما في شكّه في بلوغ النصاب في الزكاة ، وأمّا في غير هتين الحالتين فلا دليل على وجوب الفحص ، فتجري البراءةُ المستفادة من قوله تعالى [لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا] ومن سائرِ أدلّة البراءة .
والثانية : لا شكّ أنّ المرفوع ـ عقلاً ـ هو خصوص المنجّزيّة فقط لا الفعلية أيضاً ، فإنّ الفعلية نـتاجٌ طبـيعي للجعل ولتحقُّّقِ مقدّمات الوجوب ، والرفعُ الظاهري لا يتصرّف بالأحكام الواقعية ، فلو زالت
[٦٣٧] الحشر ـ ٧ .
[٦٣٨] البقرة ـ ٦٣ .