دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٥٢ - ٧ ـ الأصلُ المـُثْبِت
مثال ثالث : لو نذر شخصٌ أنْ لو نبتت لحيةُ ولدِه أو شابت أن يذبح شاةً ، ثم ضاع ولده ، ولم يَدْرِ هل أنه مات أو لا يزال حيّاً ، فإنه لو أراد أن يَستصحِب حياتَه ليُثْبِتَ (بقاءَه حيّاً) وبالتالي ليُرَتّب على ذلك (نباتَ لحيته) أو (شَيـبَها) وبالتالي ليُرَتِّبَ على ذلك وجوبَ ذبح شاةٍ عن ولده ، فهذا سيكون أصلاً مثبتاً ، لأنّ (إثباتَ نباتِ اللحية) و (شَيـبِها) هما أثران تكوينيان عاديّان ـ وليسا شرعيين ـ وهما في طول حياة الولد ، يعني يجب أن تَـثبُتَ الحياةُ أوّلاً ثم نـُثْبِتُ نباتَ اللحية أو شَيـبها ، ولذلك فليس لك أن تقول أنا أستصحب بقاءَ حياته لقوله t لا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشكّ أي "لا تـنقضِ اليقينَ بالحياة بالشكّ " فيجب إذن أن نستصحب حياتَه لنُثْبِتَ نباتَ لحيته !! فهذا خطأ ، وذلك لتغاير لازم المستصحَبِ مع شرط الحكم ، لأنّ شرطَ الحكم عقلاً وعقلائيّاً هو (نباتُ لحيتِه واقعاً أي بنحو القطع الوجداني الصفتي) أو (شَيبُ لحيتِه بنحو القطع) ، وما يفيده استصحابُ (بقائِه حيّاً) هو (نبات لحيته تعبّداً) ـ وهذا ليس شرطَ النذر ـ وهذا هو المانع الأوّل .
كما لا يفهم علماؤنا وجوبَ التمسّك بـ لا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشكّ في هذا المثال المذكور ليرتّبوا عليه (إثباتَ نبات اللحية تعبداً) و (شَيـبها تعبداً) ، بل يرفضون ذلك ، لأنّ هذا الإستصحابَ للحياة لإثبات نبات اللحية ليس عقلائيّاً بوجه وإنما يستهجنون ترتُّبَ وجوبِ ذبح شاةٍ على هكذا استصحاب ، وهذا هو المانع الثاني ، ولذلك ترى علماءَنا يقولون بعدم وجوب أن يذبح شاةً .
مثال رابع : لو وجدنا لحماً مطروحاً في أرضٍ فيها مسلمون وكفّار ، ولا يَغلب المسلمون فيها عدداً على الكفّار ، ففي هكذا حالةٍ لا يمكن لنا أن نُجريَ أصالةَ التذكية في هذا اللحم بذريعة الملازمة بين البناء على الطهارة ـ لقاعدة الطهارة ـ وبين التذكية ، وإنما يمكن لنا أن نُجريَ قاعدةَ الطهارة فقط ، لكنْ أصالةُ الطهارة هذه لا تـُثبِتُ التذكيةَ بلا شكّ ولا خلاف ، لذلك لا يجوز أكلُ هذا اللحمِ بالإجماع ، وذلك لأصالة عدم التذكية بلا معارض . وقد ذكرنا هذا المثالَ هنا ـ مع أنـنا لم نذكر الإستصحابَ فيه ـ لأكثرَ من سبب ، من الأسباب هو أنّه قد يَتوهّم بعضُهم أنه تجري هنا قاعدةُ استصحاب طهارة هذا اللحم قبل الذبح !! لكنه كلام باطل ، وذلك لأنّ الشبهةَ حكميّةٌ ، إذن فلا يجري الإستصحابُ ، كما لا يصحّ الإستصحاب الموضوعي أيضاً ـ أي استصحاب طهارة اللحم ـ لأنـنا يجب أن نـنظر إلى العلّة ـ أي إلى مرحلة الجعل أي هل أنّه في هكذا حالةٍ يأمرنا الشارع المقدّسُ بالبناء على طهارة هذا اللحم ـ لا إلى المعلول ـ أي لا إلى مرحلة الفعلية أي الحكم الفعلي بالطهارة ـ وهذا الحيوان بعد الذبح قد تغيّرت حالتُه السابقة ، فإمّا أنه ذُكّيَ