دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٢٣ - الأمر الثاني النـَّفْسِيّة والعَينـيّة والتَّعْيـينـيّة
*وهنا يجب الإلفاتُ إلى نـقطة مهمّة وهي : إنّ نظرَنا هنا هو إلى نفس الوجوب لا إلى الواجب ، أي إلى وجوب الوضوء ، لا إلى نفس الوضوء . أمّا عمليّاً فإنـنا إذا قلنا إنّ الوجوب في المورد الفلاني هو نفسيّ فلا محالة سوف يكون متعلّقه ـ كالصلاة مثلاً ـ نفسياً ، وإن قلنا هو غيري فلا محالةَ أيضاً يكون متعلّقه غيرياً ـ كالوضوء ـ وذلك لوجوب التسانخ بين الموضوع وحكمه . ولذلك ترى كلّ علمائـنا ، تارةً يقولون : وجوب الوضوء غيري ، أي أنّ المولى جلّ وعلا جَعَلَ هذا الحكمَ لأجل الغير ، ولولا هذا الغيرُ لما جَعَلَ الوجوبَ مثلاً ، وتارةً يقولون : الوضوءُ غيري ، أي نفس الوضوء هو مقدّمةٌ واجبـية للصلاة ، وكلا التعبـيرَين صحيحان .
* وكذا الأمر فيما لو شككنا في كون المأمور به عينيّاً على الشخص ـ كالصلاة والصيام ـ أو كفائيّاً ـ كوجوب دفْنِ الميّت والصلاة عليه ـ فإنّ العقلاء يرَون أنّ الأصل في الطلب أن يكون عينيّاً ، إذ لو كان كفائياً لَذَكَرَه المتكلّمُ الحكيم ولقال (أنت أو غيرك) ، فعدمُ ذِكْرِ كفايةِ الغَيرِ كافٍ في إثبات الوجوب العيني عليك بالإطلاق المـقامي ، ولك أن تستدلّ بالإطلاق الأحوالي أيضاً وذلك بأن تـقول : يجب عليك الشيءُ الفلاني على أيّ حال ، سواءً فَعَلَ الفِعْلَ غيرُك أيضاً أم لا . على كلٍّ ، لو تردّدت بين كون الأمر (حِجَّ) أو (حِجَّ أنت أو غيرُك ) ـ ولو لاحتمالنا أن يكون الهدف من نحو الكفاية هو أن لا تخلو الكعبة المكرّمة من طائفِين ـ فقد قيل : عدمُ التـقيـيد يفيد العينـيّة . أقول : هذا التوجّه وإن كان لا بأس به ، وهو محلّ بحثـنا ، لكن لعلّ الأفضل هو التوجّه نحو إجراء أصالة الإشتغال العقليّة ، فإنها أوضح ، بمعنى أنك إنِ احتملت كفايةَ أن يقوم غيرُك بالحجّ نِـيابةً عنك ، فإنّ قيام غيرِك بهذا الحجّ بدلاً عنك بما أنه غير معلوم الكفاية ، فلا شكّ في جريان أصالة الإشتغال حينـئذ ، لأنه شكّ في سقوط المكلّف به ، لكنْ إجراؤنا لأصالة الإشتغال يسحب البحث من هنا إلى مبحث ( الأصول العمليّة ) .
* وكذا الأمر تماماً في التردّد بين التعيـينـيّة والتخيـيريّة ، فصيغةُ الأمر (حِجَّ) لا تـفيد أكثر من وجوب الحجّ ، ولا تـفيد التعيـينـيّة ، لكن من خلال عدم ذكْرِ بدائل أخرى في روايات صحيحة يَفهم الإنسانُ من عدم ذِكْرِ البديلِ وجوبَ الحجّ على أيّ حال ، أي سواء صام أو أطعم أو لا . ويسمَّى هذا الإطلاقُ الإطلاقُ الأحوالي .
دليل آخر : لو كان له عِدْلٌ لقال لنا المتكلّمُ الحكيمُ : حِجَّ أو صُمْ أو أَطْعِمْ ، لكنه قال فقط : (حِجَّ) ، وظاهرُ عدمِ ذِكْرِ البدائلِ التعيـينُ ، أي حِجَّ سواءً أطعمت أو صُمْتَ أم لا . ويسمَّى هذا الإطلاقُ الإطلاقُ المقامي .