دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٧٦ - * دليل وجوب المـقدّمات المـُفَوّتة
والواجبُ المـنجَّز هو كوجوب صلاة الظهر من حين الزوال ، فأنت تعلم أنّ تحقّق الزوال هو شرط وجوب صلاة الظهر ، فحينما تزول الشمسُ تصير صلاة الظهر منجَّزةً على الشخص مباشرةً ، فالواجب المنجّز إذن هو الواجب الفعلي الذي يـتـقارن فيه شرطُ وجوب الواجب مع زمان الواجب ، وكوجوب معرفة أصول الدين والفروع التي تـقع في محلّ ابتلاء المكلّف ، فإنه منجّزٌ على كلّ مكلّف من دون توقّفه على شيء غير مقدور عليه فعلاً ، بخلاف الحجّ والصيام ، فشرط وجوب الصيام هو شهود الشهر ـ أي رؤية الهلال ـ فإذا رُئِيَ الهلالُ فقد صار وجوب الصيام على الشخص فعليّاً ، لكنَّ الصيامَ معلَّقٌ على طلوع الفجر ، وهو الذي يطلَقُ عليه (الواجب المعلّق) .
*إذن الفرقُ بين الواجب المعلّق والواجب المنجّز هو كما لو قال لك المولى ـ في المعلّق ـ (تصدّقْ غداً) وفي المنجَّز يقول (تصدّقِ الآن) ، ولا دَخْلَ للوجوب المشروط فيهما ، فقد يكون المعلّق مطلقاً ـ كما في المثال السابق (تصدَّقِ الآن) ـ وقد يكون مشروطاً ـ كما في قول مولاك لك (إن نجح زيد اليومَ فاذبح غداً شاةً وتصدّق بها على الفقراء) ـ .
والفرقُ بين الواجب المعلّق والوجوب المشروط هو أنّ النظر في الوجوب المشروط هو إلى توقّف الوجوب الفعلي للحجّ على الإستطاعة ، وأمّا في الواجب المعلّق فالنظر فيه هو إلى أنّ الواجب متوقّف على مجيء وقته ، ففي نفس مثال الحجّ ، يصير الحجّ واجباً فِعلاً بمجرّد الإستطاعة ، وأمّا نفس الحجّ فهو متوقّف على بقاء الإنسان حيّاً ومستطيعاً إلى زمان الحجّ . هذه كلّ نظريّة الواجب المعلّق .
فعلى هذا تعرف أنه لا ربط بين الوجوب المشروط وبين الوجوبين المعلّق والمنجّز ، فقد يكون الوجوب المشروط من قبـيل (إن استطعت فحجّ) و (إذا زالت الشمسُ فصلّ الظهر) ، ومع ذلك يكون الواجبُ في المثال الأوّل معلّقاً على مجيء زمان الواجب ، وفي الثاني يكون منجّزاً من حين تحقّق الزوال ، وقد يكون الوجوبُ غيرَ مشروط ومع ذلك يكون الواجب معلّقاً على زمان مستـقبل من قبـيل قولك لخادمك عند الصباح : (إصنعْ طعاماً لضيوفي الذين سوف يأتون بعد الظهر) ، فيجب على الخادم أن يذهب إلى السوق ويشتري الطعام ثم يجهّزه ويصنعه قبل الظهر بحيث يكون جاهزاً عند مجيئهم ، هذا معنى الواجب المعلّق .
وعلى مثال (إن استطعتَ فحجّ) إن صار وجوب الحجّ عليه فعليّاً فعليه أن يحافظ على استطاعته وأن يأتي بمقدّمات الحجّ لأنّ الحجّ صار عليه فعليّاً ، لكنْ نفسُ الحجّ يجب عليه في أشهر الحجّ ، كما يجب على المكلّف ـ الموجود في مكان مغصوب ـ الذي زالت عليه الشمسُ أن يخرج من المكان المغصوب إلى مكان مباح ليصلّي لأنّ وجوب الصلاة صار فعليّاً عليه حتى وإن كان في الأرض المغصوبة .