دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩٣٢ - الموقفُ الشرعي في حال تعارض الأمارتين
الحكم ، لذلك قال الإمام الحُكْمُ ما حَكَمَ به أعدلُهما وأفقهُهما فنَظَرَ إلى الأفْقَهِ ، ممّا يؤكّد أنه ناظر إلى الحاكم من حيث هو حاكم ، والأفْـقَـهُ ـ بطبـيعة الحال ـ هو الاَولَى بالإتّباع في الحكم وفي الفتوى أيضاً بلا شكّ ، لذلك كان من الحكمة أن يُقتصَرَ في هذا الترجيح بين خصوص الحاكمَين فقط ، لا بين الراويـَين أيضاً ، ذلك لأنّ المطلوب من الراوي أن يكون ثقة في النقل وأن يُدْرِكَ معنى كلامِ الإمامِ لِيَعْرِفَ كيف يَنْقُلُهُ بالدقّة ، لا أكثر ، وليس من اللازم أن يكون الأفقه والأعدل .
٢ ) إنه لا معنى لكون الترجيح الأوّل شاملاً للرواة أيضاً ، وذلك لأنّ الإمامَ (ع) فَرَضَ الأعدلَ والأوثق بلحاظ الراوي الأخير ـ وهو الحاكم ـ وهذا لا معنى له إذا كانت رواية الحاكمِ المفضولِ أقوى سنداً . وبتعبـير آخر : لو كان المراد هو الترجيح بلحاظ الراوي لكان الأنسب هو الترجيح بالرواية الأقوى سنداً ـ لا بخصوص الراوي الأخير أي الحاكم ـ ، لا أقلّ الترجيح بالراوي المباشر للإمام ـ لا المباشر لنا نحن ـ .
المهم هو أنه في الروايتين المعتبرتين المتعارضتين تعارضاً مستقرّاً قد يكون من الباطل أن نقَدِّم الصحيحةَ السند على المقبولة أو الموثّقة أو المعتبرة ، بعد اعتبارها جميعاً شرعاً ، لا بل قد يروي فقيهُ عصرِه بعض الروايات المنسجمة مع فتاوى أهل العامّة حفاظاً عليه من أئمّتـنا (علیهم السلام) ، كما نرى ذلك بوضوح في الكثير من الروايات ، أكتـفي بـبعض الروايات التي تخالف المسلّم بين علماء الطائفة وتعارض الرواياتِ المستـفيضةَ جداً :
· ١ ـ فقد رَوَى في التهذيـب ـ بإسناده الصحيح ـ عن الحسين بن سعيد عن عبد الرحمن بن أبي نجران (ثقة ثقة معتمد على ما يرويه) عن عاصم بن حَمِيد (ثقة عين صدوق) عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن الجِرّيّ والمارْماهي والزمّير وما ليس له قشر من السمك أحرام هو ؟ فقال لي : يا محمد ، إقرأ هذه الآية التي في الأنعام [قُلْ لا أجدُ فيما اُوحِيَ إلي مُحَرَّماً ] قال : فقرأتها حتى فرغت منها ، فقال : إنما الحرام ما حرم الله ورسولُه في كتابه ، ولكنهم قد كانوا يعافون أشياء فنحن نعافها وهي من الصحيح الأعلائي !!
· ٢ ـ ورَوَى في التهذيـب أيضاً باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان (بن يحيى ، من أصحاب الإجماع ، ثقة ثقة عين) عن (عبد الله) ابنِ مُسْكان (من أصحاب الإجماع) عن محمد (بن علي بن أبي شعبة) الحلبي (وجه أصحابنا وفقيههم والثقة الذي لا يطعن عليه) قال قال أبو عبد