دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٤٤ - ٦ ـ استصحاب الحكم ِ المعلّق
تكويني لا شرعي ، وبالتالي سوف يكون الإستصحابُ في هكذا حالةٍ أصلاً مثبتاً لأنك إنما تريد منه إثباتَ (العصير العنبي المغلي) وهذا ليس حُكماً شرعياً ، أي أنّ هذا العنوان الوجوديّ لشرط القضية الشرطية لا يُثْبِتُه الإستصحابُ ، والشروطُ الموجودةُ في الأحكام المعلّقة ـ كالعصير العنبي المغلي ـ ظاهرةٌ في أنها مطلوبة بنحو الصفتيّة ، وقد قلنا سابقاً إنّ أدلّة الإستصحاب لا تـفيدنا إثباتَ هكذا عناوينَ وجوديّة تكوينية أو عقلية ، وإلاّ لكان الإستصحابُ أصلاً مثبتاً .
وأمّا ما ذكره المحقّقُ الأشتياني فيَرِد عليه أنه غير صحيح ، فأنت حينما تريد إجراءَ استصحاب بقاء العنَبِـيَّة ، فأنت إنما تريد إثباتَ بقاء عنوان (العصير العنبي المغلي) وهو أثر تكويني لا شرعي ، والإستصحاب لا يُثبت الآثارَ التكوينية .
وهنا علّق اُستاذنا السيد أحمد المدَدي حفظه الله في محضر الدرس على ادّعاء جريان استصحاب العنبـية فـقال : إنّ إسم الزبـيب هو غير إسم العنب ، فهو كالحُصْرُم تماماً ! ولذلك إذا حلف الإنسانُ أن لا يأكل العنبَ فله أن يأكل الزبـيبَ ، وذلك لأنّ الأحكام تـتبع المسمّيات ، وتغيّرُ الأسماءِ إشارةٌ إلى تغيّر الحالات ، فكيف تُستصحبُ ؟! على أنّ الإستصحاب أمْرٌ عقلائي ، وهل العقلاء يستصحبون الموضوعَ أو الحكمَ في هكذا حالة ؟!
أقول : قد يجاب بأننا لا نستصحب الإسمَ ، إنما نستصحبُ بقاءَ ماهية العنب وحقيقتِه ، ولا دخل لنا بالإسم ، فليس كلُّ تغيُّرٍ لإسمِ حالةٍ من الحالات تعني تغيُّرَ الماهيات ، فمع الشكّ في تغيّر الحقيقة والماهيّة علينا أن نـتمسّك بـ (لا تـنقضِ اليقين بالشكّ) ، حتى مع عِلْمِنا بتغيّر الحالة من الرطوبة إلى اليـُبوسة ، فليست كلُّ حالةٍ طارئةٍ هي عِلةٌ لتغيُّرِ الحقيقة والماهية ، على أنّ العقلاء يستصحبون بقاءَ الماهية والحقيقة ما أمكن ، بل هذا هو دور الإستصحاب .
فالمشكلة إذن ليست في إمكان استصحاب العِنَبـيّة لو كان الأثر الشرعي يترتّب مباشرةً على العنبـية ، كما في استصحاب الكريّة ، إنما المشكلة هي في أنّ استصحاب العِنَبـية هل يُثبِت كونَ هذا العصيرِ هو (عصير العنب) كي نُرَتِّب على ذلك الحكمَ بـ (غليان العصيرِ العنبي) ؟! طبعاً لا . إذن ماذا يُثبِتُ هذا الإستصحابُ ؟ أي ما هو الأثر الشرعي المترتّب على هذا الإستصحاب ؟ لا شيء ، وذلك لأنه يريد إثباتَ أنّ (العصير الزبـيـبي هو عصير عنبي) ـ وهو أثر تكويني لا شرعي ـ لِيُرَتِّبوا عليه أنّ (العصير الزبـيـبي الذي اعتبرناه عصيراً عنبـياً تعبّداً إذا غلى فإنه يحرم) !! ـ وهو ليس أثراً شرعياً منجّزاً ـ ، ولذلك نقول بأنه لن يُثْبِتَ استصحابُ بقاءِ (إذا غلى العصير العنبي فإنه يحرم) قضيّةَ (إذا غلى الزبـيب فإنه يحرم) .