دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨١٥ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
، وكذلك في المثل الثالث المعروف فيمن أطلقوا عليه رصاصةً من بعيد باتّجاه وسط رأسه بحيث لو لم يتحرّك لدخلت الرصاصةُ إلى وسط رأسه ولَقُتِلَ قطعاً ، فلو قلتَ لزوجة هذا الرجلِ نحن نستصحبُ بقاءَه في مكانه فنُـثْبِتُ دخولَ الرصاصةِ إلى وسط رأسه ، إذن فنُـثْبِتُ بهذا الإستصحابِ أنّ زوجَك (قد قُتِلَ) وأنّ عليك أن تعتدّي وعليكم أن تقسّموا مالَ زوجِكِ !! ففي هكذا حالة سوف تـتعجّبُ الزوجةُ من هكذا استصحاب مستهجَن وسوف يَضحك كلُّ العقلاء مِن هذا الإستصحابِ ...
هذا ولكنّ التدقيق في طائفتَي الأمثلة السالفة الذكر يجعلُك تلاحظُ أمراً مهمّاً وهو أنّه في المثالَين الأوّلَين تلاحظُ أنّ موضوع الحكم مركّبٌ وأنّ أجزاءَ الموضوعِ المركّبِ منظورٌ إليها بنحو الإستقلال ، أي كلّ جزء من أجزاء هذا الموضوع المركّب منظور إليه بحدّ ذاته ـ كعدالة المجتهد ، واجتهاده ، وقلّة الماء ، ووقوع الثوب المتـنجّس في خزّان الماء ـ فنستصحبُ بقاءَ هذه الأجزاء ، أي نستصحب عدالة المجتهدِ واجتهادَه وقلّة الماء ، فلا نقع في مشكلة الأصل المثْبِت ، فإذا ثَبَتَتِ الصغرى بالإستصحاب والمفروضُ ثبوتُ الكبرى فسيَثْبُتُ الأثرُ الشرعي لا محالة ، أمّا في أمثلة الطائفة الثانية فتلاحظ أنّ الموضوع هو واحد بالدقّة ـ وليس موضوعُ الحكمِ فيها مركّباً ـ وهو (نبات اللحية) و(الموت) و(القتل) ، وهي أمور وجودية ، وهي لا تَـثْبُت باستصحاب بقاءِ الولدِ حيّاً ولا باستصحاب بقاء النائم تحت الحائط ولا باستصحاب بقاء الرجل واقفاً من دون حركة ، فالإستصحابُ يَنفي زوالَ العدالة وزوالَ الإجتهاد وزوالَ قلةِ الماء ولا يُثبِت عناوينَ وجوديةً كالقتل والموت ونباتِ اللحية وإلاّ وقعنا في مشكلة الأصل المثبت على ما عرفتَ .
إذن لا شكّ في صحّةِ جريانِ الإستصحاب في أجزاء الموضوع المركَّب وشرائطه بشرط أن يكون الموضوع مركّباً كما رأيت في المثالين الأوّلين .
* وقد يواجَهُ ذلك باعتراض ، وهو اَنّ دليل الإستصحابِ مُفادُه جعْلُ الحكمِ المماثِل للمستصحَب ، والمستصحَب هنا ـ وهو الجزء أو الشرط ، كعدالة المجتهد ـ ليس له أثرٌ شرعي ـ أي حكم شرعي ـ ليُجعل في دليل الإستصحاب مماثلُه ، وما له حُكْمٌ ـ وهو المُرَكَّب كالمجتهد العادل ـ ليس مَصَبّاً للإستصحاب .
وهذا الإعتراض غيرُ صحيح ، إذ بناءً على جعل الحكم المماثل إذا استصحبنا العدالةَ أو ثبتت العدالةُ بأمارة حجّة كخبر الثقة سيكون المجتهد عادلاً شرعاً ، أي ستَـثْبُتُ الصغرى شرعاً ـ وهي عدالتُه ـ بناءً على قولنا بمسلك جعل الحكم المماثل ، فإذا كانت الكبرى ـ وهي جواز تقليد المجتهد العادل ـ معلومةً على مستوى الجعل جاز ح القولُ بجواز تقليد هذا المجتهد الذي ثبتت عدالته شرعاً ، وذلك بتقريب أنّ