دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٨ - تصنيف الأحكام الشرعية
الخارجيّة والداخلية ثم يُنْشِئُ الحكْمَ بلحاظها ، فأنْ يشرّع تشريعاً ثانياً كجزئيّة الركوع والسجود ، وسبـبـيةِ الزوال ـ فإنه لا مصلحة للأمر بالصلاة إلاّ بدخول وقت الصلاة ، ولذلك صحّ إطلاق السبب على الزوال ، ولذلك سمّوها شروط الوجوب ـ وسبـبـية الإفطار العمدي للكفّارة ، وشرطّية الطهارة والإستـقبال في الصلاة ـ ولذلك سمّوها شروط الواجب ـ ومانعيّة الحدث والخبث في الصلاة ورافعيّة الرقص لهيأة الصلاة ، أنْ ينشئَ الجزئيّةَ والشرطية والسبـبـية والمانعيّةَ مرّةً ثانية فهذا محضُ لَغْوٍ ، لا يصدر من ساحة الحكمة المتعالية . فحينما شرّع المولى تعالى وجوبَ الصلاة فهو جلّ وعلا تصوّرَ الصلاةَ بتمام أجزائها وشروط وجوبها وشروط فِعْلِها وموانعها ، ثم شرّع وجوبها . وبعد هذا لا معنى لتشريع الجزئيّة مرّةً ثانية ، وتشريع الشرطيّة مرّة ثانية ... لأنّ التشريع الثاني سوف يكون لَغْواً محضاً .
ولذلك أيضاً ليست الأحكام المنـتزعة من الأحكام التكليفية هي أحكام شرعية أصلاً ، فقولُ الباري تعالى [يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بين النَّاسِ بِالْحَقِّوَلاَتـتبِعِ الهَوَى][٣٦] كاشف عن جعْلِ اللهِ له حاكماً وقاضياً بين الناس ، وكأنه قال "فإنّي جعلته عليكم حاكماً" ، فجعْلُ الحكومةِ للأنبـياء والأوصياء أحكام موضوعيّة مجعولةٌ بنحو الإستـقلال ، وليست منـتزَعةً مِنَ الأمْرِ بالحكم [بين الناسِ بالحقّ ] .
(٤) بعدما عرفت الأحكامَ الموضوعية والتكليفيّة لا بأس أن نَذْكُرَ بعض أمثلة الأحكام الموضوعية فنقول : (الكلب والخنزير نجسان) حُكْمٌ موضوعيّ ، وهكذا قولُنا : (يُشترَطُ في تطهير الآنية من ولوغ الكلب تعفيرُه بالتراب) و (النوم ناقضٌ للوضوء) و (كلام الآدميـين عمداً في الصلاة يـبطل الصلاة) و (عقد الوكالة يسبب التوكيل) و (إتلاف مال الغيرِ سبب للضمان) و (عقد الزواج يُنـتجُ الزوجيّةَ) و (تَرْجِعُ المعتدّةُ بالعدّة الرجعيّة بمجرّد الوطء) و (يشترط في الطلاق أن تكون الزوجة المدخول بها في طهر لم يواقعها فيه) و (الأمارات الفلانـيّة حجّة) ... كلّها أحكامٌ موضوعيّة .
فإذا عرفتَ هذا فاعلم أنـنا إن شككنا في حصول سبب الحكم الشرعي الموضوعي فالأصل هو عدم حصوله ، فإذا شككنا في حصول النوم أو في عقد الزواج أو في حصول الوطء أو في صدور كلام الآدميـين في الصلاة عمداً فالأصل عدمه .
[٣٦] ص ـ ٢٦ .