دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٤٤ - المَقام الثالث في حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه
يقول الحكماء والعرفاء إنّ الله تعالى يحشر الإنسانَ مع ملكاته ونيّاته في البرزخ والآخرة ، قالوا وهذا أمر تكويني محض ، فإنّ ملكاتِه تـتمثّل بعد موته بالجنّة أو بالنار ، فإنّ الناس تحشر على نيّاتهم يوم القيامة ، قال الله تعالى[ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ، كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ][٢٠٦] فنفسُ الذي رُزِقوا التوفيق إليه في الدنيا من نيّات صالحة وملكات طاهرة يظهر في الآخرة لكن بحقيقةٍ أسمى وأشرف من هذه الحقيقة الدنيوية السافلة .
لكنك لا ترى في الروايات أنّ المولى تعالى يعتبر العملَ المتجرّى به حراماً شرعاً ، نعم لا شكّ في شدّة قبحه ، كما لا شكّ أنّ المكلّفَ يستحقّ العقابَ على التجرّي عقلاً .
* وأمّا من خلال تـفسير المتعلّقات الأوّلية للنواهي بمعنى المتعلّق المعلوم :
فقد يُستدَلّ على الحرمة الشرعية للتجرّي من نفس الأدلّة الشرعية الواقعية ، وذلك بتقريب أنّ قول الشارع المقدّس مثلاً ( لا تشرب الخمر ) يُقصَدُ به تحريم شرب مقطوع الخمريّة ـ إمّا مع تحريم الخمر الواقعي أيضاً أو بدونه ـ وذلك لأنّ الإنسان مكلّف بما يعلم وموضوعٌ عنه ما لا يعلم .
والصحيح هو عدم صحّة هذا الدليل لعدّة أسباب :
أوّلاً : لأنّ قول المولى (الخمر حرام) لا يعني (ما تعتقد أنه خمر فهو حرام) ، ففرقٌ بين (الخمرالواقعي) وبين (ما تعتقده أنه خمر) ، فالأوّل مسكر وقبـيح جداً ، والثاني قد يكون مفيداً ونافعاً . وليس هناك حرمتان شرعيّتان في عرْض واحد ، وهما (الخمر حرام) و(ما تعتقد بحرمة ارتكابه ، أيضاً حرام) ، وإنما هذا من المضحكات واللغويّات ، وهو أشبه باجتماعَ المِثلَين .
ثانياً : إنّ العلم والجهل ينجّزان التكليف أو يعذّران عنه فقط ، ولا يغيّران من الواقع شيئاً ، فلو فرضنا أنّ زيداً من الناس كان يشرب الخمر جاهلاً بخمريّته معتقداً أنه خلّ ، فإنّ شُرْب الخمرِ يـبقى على قبحه الذاتي ، وبالتالي يـبقى على حرمته الفعلية أي على ممنوعيته الشرعية فعلاً ـ لأنّ الحرمة الفعليّةَ نـتاج طبـيعي وتكويني للقبح الذاتي ـ أي هو حرام فعلاً ، ومع ذلك يكون شربه لهذا الخمر المجهول الخَمرية حلالاً فاعليّاً ، أي على مستوى الإمتـثال .
[٢٠٦] البقرة ـ ٢٥ .