دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٧٢ - ١ ـ الإستدلال بالكـتاب الكريم
وقد تقول : يكفي في عدم لَغْويّة قولِه تعالى [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ترتُّبُ العِلمِ في بعض الأحيان ، فلا تـفيد الآيةُ الحجيّةَ لأقوال أهل الذكر مطلقاً ـ أي حتى في غير حال ترتُّبِ العلم ـ أي قد يكون المراد : فاسألوهم ، وأكثروا من التحقيق حتى يحصل عندكم عِلْمٌ .
فأقول : قولُه تعالى [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ] مطلق ، غير مقيّد بحصول العلم من قولهم ، أي فاسألوا الخبراءَ الثقات ، سواءً حصل عندكم علم أم لا ، إسألوهم ، هم أخْبَرُ منكم ، وليس من الضروري أن يحصل عندكم عِلْمٌ دائماً ، لأنّكم لستم من أهل الخبرة ليحصل عندكم علم دائماً ، فإنه لن يسجد لموسى إلاّ السحرةُ الخبراءُ بالسحر ، هم فقط الذين سيصير عندهم علم بالحقيقة ، ولذلك لن يسجد غيرُهم . فلو سألت طبـيـباً عن المرض الفلاني وأعطاك الدواءَ الفلاني ، فإنه من الطبـيعي أنه لن يحصل عندك علم دائماً ، بصحّة دوائه الذي قدّمه لك ، لن يحصل العلم بصحّة الدواء إلاّ عند الأطبّاء . إذَنْ قولُ أهلِ الخبرة حجّةٌ مطلقاً ، حتى ولو لم يحصل عندنا منه علم .
فإن قلتَ : ظاهرُ الأمْرِ بالسؤال هو لتحصيل العلم . وبتعبـيرٍ آخر : إنّ الآيةَ ليست في مقام إعطاء الحجيّة لخبر الثقة ، وذلك لأنها بصدد الأمر بالرجوع إلى أهل الذكر ليحصل عندهم عِلْمٌ وجداني ـ لا عِلْم تعبّديـ بكون الرسل السابقين كانوا رجالاً عاديـين ـ لا ملائكة ـ إلاّ أنهم كان يوحَى إليهم فقط ، لاحِظْ قوله[وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ ، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبـينَاتِ وَالزُّبُرِ][٤٣٦] أي اسألوا الخبراء ليحصل عندكم علم وجداني ، لا عِلْمٌ تعبّدي ، لأنها في مقام المجادلة مع الكفّار ، والكفّارُ لا يعتبرون العِلْمَ التعبّدي الشرعي أصلاً ، فالآيةُ لا تدلّ على حجيّة خبر الثقة بوجه .
قلتُ : هذا غير صحيح ، فليس حصولُ العِلْمِ أمْراً دائمياً ، إنما اُمِرْنا أن نسأل أهلَ الذكر والمعرفة لنسكت عن المجادلة بغير علم وبغير رجوعٍ إلى أهل الخبرة ، فعلينا ـ إن رجعنا إليهم ـ أن نَسْكُتَ أمامهم ونسلّم الأمْرَ إليهم لأنهم هم أهل الخبرة والإختصاص . فلو رجع العوامُ إلى الفقيه وسألوه عن الأعلم فأرشدهم إلى أعلم الفقهاء فإنه لن يحصل عندهم عِلْمٌ دائماً ، لأنهم ليسوا من أهل الإختصاص
[٤٣٦] قال الله تعالى [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِمَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئـنهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ (٤٣)بِالْبـينَاتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبـين لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ، وَلَعَلَّهُمْ يَتـفكَّرُونَ (٤٤)] سورة النحل .