دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٥ - المـقـدّمـة
الأساس نـتكلّمُ عن الإستصحاب في الكليّات ، فلو نذر شخصٌ بأن يـَبقَى يُسَبِّحُ اللهَ طالما في المسجد إنسانٌ ، وعَلِمنا بوجود زيد ، ثم شككنا في خروجه ، فإنـنا نبني على بقاءِ (الإنسان) لكنْ بتوسّط استصحاب بقاء زيد لأنه لا يمكن جريانُ الإستصحاب في الكلّي الطبـيعي للإنسان ، لأنه عبارة عن مفهوم ذهني لا يمكن وجوده في الخارج ، وبالتالي الإستصحابُ يجري في (بقاء زيد) لا في (الإنسان) ، ولكن بما أنّ (طبـيعةَ الإنسان) موجودةٌ في زيد فإننا نبني على بقاء (الإنسان) . وأثرُ كلامِنا هذا هو أنـنا لو علمنا بوجود زَيد في المسجد ثم علمنا بخروجه ، ولكنْ شككنا في دخول شخص آخر قبل خروج زيد بحيثُ لم يَخْلُ المسجدُ من (إنسان) ، فهنا نحن لا نستصحبُ بقاءَ (شخص آخر) في المسجد ، لأنه لا يمكن إجراءُ الإستصحاب بلحاظ المصاديق هنا وذلك للشكّ في أصل دخول شخصٍ آخر ، كما لا يمكن جريانُ الإستصحابِ في الكلّي الطبـيعي للإنسان أي في عنوان الإنسان لأنّ المراد من الكلّي الطبـيعي والعناوين ـ كما قلنا ـ إنما هو المصاديق الخارجية ، وح من الخطأ أن نسمّيَه (كلّي) ، وعليه فإذا نظرنا إلى المصاديق ـ أي إلى الشخص الآخر ـ لرأيناه مشكوكَ الدخولِ من الأصل ، لذلك لا يجري الإستصحابُ هنا أيضاً ، لا في (الإنسان) ـ كعنوان مشير وكلّي طبـيعي لأنه ذهني لا يوجد في الخارج ـ ولا في بقاء شخصٍ آخر في المسجد ... وبكلمةٍ واحدة : الكلّي الطبـيعي بما أنهم أسمَوه كلّي فهو إذن سيكون (مفهوم ذهني) وهو غير قابل للإستصحاب بل هذا ليس منظورَ الناذِرِ ، وبما أنّ مرادَهم منه المصاديقُ فالشخصُ الآخَرُ غيرُ معلوم الدخول ... لذلك لا يجري الإستصحابُ في الكلّيّات .
ثم لما كان المستصحَبُ هو الوجود المحصَّص بماهية معيّنة ... رأينا ـ بهذه المناسبة ـ من المصلحة اللازمةِ التعرّضَ في الهامش إلى نظريتَي أصالة الوجود واعتبارية الماهية ونقضناهما وتبنّينا نظريةً ثالثةً وهي أصالتُهما معاً ، لكن بمعنى أنّ الماهية قائمةٌ بالوجود ـ كقيام القيام في زيد ـ فهي التي تخصّصه فتحصّصه فتشخّصه ، لا بمعنى أنها قائمة بنفسها ، لا بل حتى الموجود الممكن لا يمكن وجوده ما لم يخصَّص بماهية فيحصّص فيشخّص ، أو قُلْ لولا تخصُّصُه بماهيةٍ معيّنة لبقي على إطلاقه وهو الله جلّ وعلا ، وهو الموجود البسيط الوحيد الذي لا ماهية تحدّه ، ولولا وجودُ الماهيات لاتحدت الموجودات ، أي لولا خصوصيات الموجودات الممكنة ، من الذاتيات ـ وهي الجنس والفصل ـ والعرَضيات ـ وهي العرض العام والعرض الخاص ـ لاتحدت الموجودات الممكنة ، إذن الماهية موجودة وليست مجرّدَ اعتبار ذهني ... وكان سببُ هذه الملاحظة هو ما اشتهر بعد صدر المتألّهين من أصالة الوجود ، والسبب الثاني في كتابة هذه الملاحظة هو أنّي لا أفكّر بكتابة كتاب في الفلسفة والحكمة