دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٦٦ - الدليل على قاعدة البراءة الشرعية من خلال استصحاب عدم التكليف
حتى يتأدَّبَ ويقرأَ القرآنَ ويعرفَ الحلال من الحرام ! فقال المأمون : إنه لأفقهُ منكم وأعلمُ بالله ورسوله وسُنـَّتِه وأحكامه وأقرءُ لكتاب الله منكم وأعلمُ بمحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وظاهره وباطنه وخاصِّهِ وعامِّه وتـنزيله وتأويله منكم ، فاسألوه ، فإن كان الأمرُ كما وصفتم قَبِلْتُ منكم ، وإن كان الأمرُ على ما وصفتُ علمت أن الرجل خلق منكم . فخرجوا مِن عنده وبَعَثوا إلى يحيى بن أكثم ـ وهو يومئذ قاضي القضاة ـ فجعلوا حاجتَهم إليه وأطمعوه في هدايا على أن يحتال على أبي جعفر tبمسألةٍ في الفقه لا يدري ما الجواب فيها . فلما حضروا وحضر أبو جعفر tقالوا : يا أمير المؤمنين ، هذا القاضي ، إن أذنتَ له أن يَسأل ؟ فقال المأمون : يا يحيى ، سَلْ أبا جعفر عن مسألة في الفقه لتـنظر كيف فِقْهُه ؟ فقال يحيى : يا أبا جعفر ، أصلحك اللهُ ، ما تقول في مُحْرِمٍ قَتَلَ صيداً ؟ فقال أبو جعفر t: قتَله في حِلٍّ أم حَرَم ، عالماً أو جاهلاً ، عمداً أو خطأً ، عبداً أو حراً ، صغيراً أو كبـيراً ، مُبدِءً أو مُعِيداً ، من ذوات الطير أو غيره ، من صغار الطير أو كباره ، مُصِرّاً أو نادماً ، بالليل في أوكارها أو بالنهار وعَياناً ، مُحْرِماً للحجِّ أو للعمرة ؟ قال : فانقطع يحيى انقطاعاً لم يَخْفَ على أحدٍ من أهل المجلس انقطاعُه وتَحَيَّرَ الناسُ عَجَباً من جواب أبي جعفر t: فقال المأمون : أخطُبْ ، أبا جعفر ؟ فقال t: نعم ، يا أمير المؤمنين ، فقال : الحمد لله إقراراً بنعمته ، ولا إله إلا الله إجلالاً لعظمته ، وصلى الله على محمد وآله عند ذِكْرِه . أمّا بعدُ ، فقد كان من قضاء الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام ، فقال جل وعز [وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ، إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)] ، ثم إنّ محمد بن علي خطب أمَّ الفضلِ ابنة عبد الله ، وقد بَذَلَ لها من الصداق خمس مئة درهم ... فقد زوجتُه ، فهل قبلتَ يا أبا جعفر ؟ فقال t: قد قبلتُ هذا التـزويجَ بهذا الصداق . فأَوْلَمَ المأمونُ وأجاز الناسَ على مراتبهم ، أهل الخاصَّة وأهلَ العامَّة والأشراف والعمال ، وأوصل إلى كل طبقة برّاً على ما يستحقه . فلما تفرق أكثرُ الناس قال المأمون : يا أبا جعفر ، إن رأيتَ أنْ تعرِّفَنا ما يجب على كل صنف من هذه الأصناف في قتل الصيد ؟ فقال t: إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحِلّ وكان الصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه شاة ، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً . وإن قتل فرخاً في الحِلّ فعليه حمْلٌ قد فُطِمَ ، فليست عليه القيمة لأنه ليس في الحرم . وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ ، وإن كان من الوحش فعليه في حمار الوحش بقرة ، وإن كان نعامة فعليه بدنة ، فإن لم يقدر فإطعام ستين مسكيناً ، فإن لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوماً . وإن كان بقرة فعليه بقرة ، فإن لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكيناً ، فإن لم يقدر فليصم تسعة أيام .