دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٦٥ - الدليل على قاعدة البراءة الشرعية من خلال استصحاب عدم التكليف
مآسي الأمّة الإسلامية من ضرب السيدة فاطمة الزهراء وإسقاط جنينها وقتال عليّ في ثلاثة حروب قاسية والمآسي التي حصلت مع الإمامين الحسن والحسين وسائر الأئمّة (علیهم السلام) ومع شيعتهم على مدى عشرات القرون إلى ظهور الإمام الحجّة r؟! وألف سؤال وسؤال يطرأ على ذهنك من هذا القبـيل . وكأنّ هناك أسراراً عند الله تعالى لا نعرفها كلّها ولا داعي لمعرفتها كلّها إمّا لعدم إمكان الإحاطة بها كلّها وإمّا لعدم الضرورة الدينية لذلك .
المهم هو أنه لا شكّ في عدم إمكان إرادة معنى "وسكت عن أمثال حرمة لعب الشطرنج على الكمبـيوتر ، لم يسكت عنها نسياناً فلا تـتكلّفوها ولا تبحثوا عنها" وذلك لأنّ الأحكام المجهولة يجب البحث فيها كثيراً ، فإن لم نجد فيها أماراتٍ ـ كأخبار الثقات ـ فإنـنا ح علينا أن نرجع إلى الأصول العملية .
أقصدُ أننا لماذا لا نقول بأنّ شريعة الله تعالى قد لم تـنزل كاملة وأنّ الله تعالى سكت عن بعضها بمعنى أنّ الله لم يُنْزِلْها كلَّها على قلب رسول الله (ص) ؟! ألا يمكن القولُ باحتمال أن يأتي بهذه الأحكام المسكوتِ عنها الإمامُ الحجّة المنـتظر (عج) كما ورد في بعض الأحاديث ؟ فنقول ـ كجمعٍ بين آية إكمال الدين وروايات السكوت ـ بأنّ الله تعالى أنزل على قلب نبِـيِّهِ ما يجب أن يَنْزِلَ وحَدَّثَ بها المعصومون (علیهم السلام) إلى سنة ٣٢٩ هـ وسكت اللهُ عن الأحكام الصعبة أو الغير مهمّة ، رحمةً بعباده . ألا يمكن أن يكون هذا السكوت لعدم إمكان تبـيين الشريعة بتمام تفاصيلها الدقيقة ، كما ورد أنّ "هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" ، وما وردنا عن المعصومين (علیهم السلام) من الشرائع يكفي في المطلوب بحيث يمكن تفسير قوله تعالى [اليومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْوَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيوَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً][٦٨٢] بمعنى دينكم الذي تحتاجون إليه ، ولا داعي لكلّ التفاصيل الدقيقة جداً والغير مهمّة ، نَعَمْ إنْ اضطرّ المعصومُ فإنه سيُـبَـيِّنُ تفاصيلَ التفاصيل التي لا يمكن لنا إحصاؤها عادةً ، وذلك كما ورد في الرواية المشهورة عن الإمام محمد بن علي الجواد oلما عزم المأمون على أن يزوجه ابنـتَه أمّ الفضل حيث اجتمع إلى المأمون أهلُ بـيتِه الأدنَون منه فقالوا له : يا أمير المؤمنين ، ناشدناك أن تُخرِجَ عَنّا أمراً قد ملكناه ، وتـنزِعَ عَنّا عِزّاً قد لبسناه ، وتعلم الأمرَ الذي بـينـنا وبين آل عليّ قديماً وحديثاً ، فقال المأمون : أمْسِكوا ، واللهِ لا قَبِلْتُ من واحدٍ منكم في أمره ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، أتزوج ابنـتَك وقُرَّةَ عينِك صبـيّاً لم يتفقَّهْ في دين الله ، ولا يعرف حلاله من حرامه ولا فرْضاً من سُنَّةٍ ـ ولأبي جعفر tإذ ذاك تسعُ سنين ـ فلو صَبَرْتَ له
[٦٨٢] المائدة ـ ٣ .