دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٠ - ١ ـ البراءة العقليّة
ما ادّعاه سيّدُنا الشهيد من حكم العقل غيرُ واضح عندنا في الشبهات الحكميّة ، ونحن نرى بالوجدان أنّ الإنسان حرٌّ طليق من التكاليف الإلزامية المحتمَلة ، إلى أن يعلم بلزوم بعض الأحكام ، وهو أعلم بما قال ، نعم ، أهميّةُ المحتمل قد تستوجب الإحتياطَ في بعض الاُمور الخطيرة ـ كما لو احتملنا وجودَ سَمّ في الطعام أو أسدٍ في الغابة ـ ، فلو احتملتَ نجاسةَ الخمر مثلاً ولم يـبـيِّن ذلك الشرعُ ، والمفروض أنّ الشارع المقدّس قادرٌ على بـيان ذلك ، وأنّ دور الأنبـياء والأوصياء هو تبليغ أحكام الله إلى الناس ، والفَرْضُ أيضاً أنـنا بحثـنا كثيراً في مظانّ الوجود فلم نجد دليلاً على النجاسة ، فإنّ عقلك ـ من حيث كونك عاقلاً وفقيهاً خبـيراً ـ يحكم بجواز أن تُجري أصالةَ الطهارة قطعاً ، ولا تعودُ تَحتمل الضررَ والخطرَ يوم القيامة ، لأنّ لك أن تقول لمولانافي الآخرة بأن يا ربّ لو شئتَ لبلّغْتَ بمئات الروايات ، لا برواية واحدة ضعيفة ، وقد كنتَ قادراً على ذلك ، فلم يَصِلْنا شيءٌ ، حتى مع تلف بعض الروايات أو الكثير منها ، لو شئتَ أن تُوصل هذه الأحكام الفلانية لأوصلتَ قطعاً ، وأنت العالِم بالغَيب أنّ أيّ الروايات ستصل وأيّها لن يَصِلَ ، ولو بسبب قلّة رواياتها أو احتمال ضياع بعضها .. كلّ هذا دليل عقلي قطعي على عدم النجاسة أو على الأقلّ على جواز التمسّك بحكم العقل بأصالة الطهارة ، ولذلك فنحن ندّعي بأنّ مَن يتمسّك بأصالة الطهارة والبراءة والحِلّيّة العقليّة لا يستحقّ العقاب ولا اللوم قطعاً .
رَوَى في الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى (بن عبـيد اليقطيني يونسي اختَلَف علماؤنا في شأنه ، لكنه جليل القدر في أصحابنا ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف) عن يونس بن عبد الرحمن عن حماد بن عثمان عن عبد الأعلى (بن أعين مولى آل سام يروي عنه ابن أبي عمير وهي أمارة الوثاقة) قال قلت لأبي عبد الله t: أصلحك اللهُ ، هل جُعِلَ في الناس أداةٌ يَنالون بها المعرفةَ ؟ قال فقال : لا ، قلت : فهل كُلِّفوا المعرفةَ ؟ قال : لا ، على الله البـيانُ ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً اِلاّ وسعها ، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً اِلاّ ما آتاها[٦٣١]وهي مصحّحة السند ، وهي تقول بأنّ على اللهِ البـيانَ وإلاّ فلا تكليف وذلك بدليل قرآني واضح وهو أنه لا يكلّف اللهُ نفساً إلاّ ما آتاها من علم ، والأئمّةُ (علیهم السلام) أعلمُ مِنّا بمراد الباري سبحانه وتعالى من الآيات الكريمة .
والعلماءُ حينما يستدلّون بالمولى العرفي لا يَقيسون المولى الحقيقي على المولى العرفي ، معاذ الله ، ولكنهم يريدون أن يُـبَـيِّنوا وضوحَ هذا الأمر بأمثلة وجدانية ، فقالوا : لو كان المولى أمامك ، وكان
[٦٣١] جامع أحاديث الشيعة ج ١ ب ٨ من أبواب المقدّمات ح ١٠ ص ٣٢٧ .