دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٧٥ - (٢) أمّا الركن الثاني وهو الشكّ في طروء التغيُّر
لا يُقال : اِنّ الإستصحاب موضوعُه الشكُّ في البقاء ، ومحمولُه التعبّدُ بالبقاء بنحو مفاد كان التامّة[٧٧٣] بعد الفراغ عن كونه بقاءً بنحو مفاد كان الناقصة ، فما يكون بقاءً يتعبدنا دليل الإستصحاب بثبوته ، فلا بد واَنْ يحرَز اَنّ المتعبد به بقاءٌ للمتيقن لكي يشمُلَه دليلُ الإستصحاب ، ومع الشك فيه تكون الشبهة مصداقية له فلا يمكن التمسك به .
فإنّه يُقال : التعبُّدُ بـبقاء المتيقَّن بنحو مُفاد كان التامة يتوقف على صدق القضية الشرطية في مُفاد كان الناقصة[٧٧٤] لا القضية الفعلية[٧٧٥]، وهذه القضيةُ الشرطية لمفاد كان الناقصة صادقةٌ في المقام أيضاً ، فإنّ شخص الحكم المتيقن لو كان موجوداً في الآن الثاني[٧٧٦] كان بقاءً لا محالة ، واِنّما الشك في معقولية بقائه[٧٧٧] فإنه إذا كان ثابتاً للمتصف بتلك الخصوصية حدوثاً وبقاءً استحال بقاء شخصه ، ومن الواضح اَنّ احتمال استحالة البقاء لا ينافي التعبد به .
[٧٧٣] المراد من قولهم (بنحو كان التامّة) أي نفس الموضوع ـ كما لو تغيّر الموضوع ومات المرجع أو أُغْمِيَ عليه ـ أي هل لا يزال موضوع التقليد موجوداً ، ومرادهم من قولهم (بنحو كان الناقصة) هو صفة الموضوع ـ كما لو شككت بطروء النجاسة على الثوب ـ فهنا يجري الإستصحابُ بالإجماع .
ومرادُ القائل هنا أن يقول بأنّ الإستصحاب يتعبّدُنا ببقاء موضوع الحكم ، أي عند الشكّ أنت متعبَّدٌ بالبناء على بقاء موضوع الحكم ، كما لو شككتَ في طروء النجاسة على الثوب ، ولا بد واَنْ يحرَز اَنّ المتعبَّدَ به هو بقاءٌ للمتيقَّن ـ أي كان الثوبُ طاهراً فنبني على بقاء طهارته ـ لكي يشمُلَه دليلُ الإستصحاب ، لا أن يكون المورد من قبـيل ما لو أُغمي على المرجع ، فإنه مع تغيُّرِ الموضوعِ نشكّ في جريان استصحاب بقاء موضوع جواز التقليد في هكذا حالة ، ومع الشك في موردية الإستصحابِ ـ أي هل أنّ الإستصحاب يجري في هذه الشبهة الحكمية ـ تكون الشبهةُ مِصداقيةً له فلا يمكن التمسك بالإستصحاب . مثال ذلك : لو قال لك المولى "أكرمِ العالمَ" وشككت في عالمية زيد ، فإنه بلا شكّ لا يجب عليك إكرامُه ، للبراءة .
[٧٧٤] أي التعبّدُ بـبقاء موضوع التقليد ـ وهو أهليّته للتقليد ـ يتوقّف على صدق قضية "إذا كان مجتهداً صالحاً فهو أهل للتقليد" .
ومرادُه أن يقول : "التعبُّدُ بـبقاء موضوع المتيقَّن يتوقف على صدق القضية الشرطية التي هي عبارة عن (إذا جاز تقليده ابتداءً فإننا نستصحب جواز تقليده رغم إغمائه) ـ وليست القضية هي (يجوز تقليد الفقيه الحيّ) ـ وهذه القضية الشرطية صادقة في المقام أيضاً ، فإنّ شخص الحكم المتيقن لو كان موجوداً في الآن الثاني هو بقاءٌ للحكم السابق ، ومن الواضح اَنّ احتمال استحالة البقاء لا ينافي التعبد به ظاهراً " .
[٧٧٥] أي ليس التعبّدُ ببقاء موضوع التقليد يتوقّف على صدق قضية "المجتهد الصالح أهل للتقليد" .
[٧٧٦] أي بعد وفاة المرجع .
[٧٧٧] أي إمكان بقاء الحكم واستحالته مع تبدّل الموضوعِ عرفاً .