دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٦٤ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
استصحاب بعض أحكام الشرائع السابقة فقال ـ عند تـفسيره لقوله تعالى [وأَخْذِهِمُ الرِّبَا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ] ـ : "في جريان استصحاب الشرائع السابقة نقاشٌ ، من ناحية عدم صحّة جريان "لا تـنقضِ اليقينَ بالشكّ ، وإنما انقضه بـيقين آخر" ، فالشريعة عندما تـنسخ فإنّ جميع قوانينها وأحكامِها سوف تـنسخ !! لا أنّ أصل الشريعة يقع في دائرة النسخ باستـثـناء بعض أحكامها !! ولذا كان المسلمون ـ في الصدر الأوّل للإسلام ـ ينـتظرون الوحيَ الإلهي في كلّ مسألة من المسائل ، ولم يتمسكوا بأحكام الشرائع الماضية" (إنـتهى) [٨٣٩] .
أقول : لم يأتِ سماحةُ الشيخ بدليلٍ على ما يقول ، إنْ هي إلاّ ادّعاءاتٌ ، وأمّا انـتظارُهم نزولَ الوحي فهذا لا يلغي إمكانَ التمسّك باستصحاب بقاء بعض الأحكام السابقة ، على أنّ انـتظار نزول حكم في الحوادث الواقعة هو أمر فطري ، لكن بعد وفاة رسول الله الأعظم (ص) وعدمِ عِلْمِنا بتغيـير الحكم في شريعتـنا الخاتمة ، في المورد الفلاني ، فما المانعُ من الرجوع إلى ما نعرفه من أحكامٍ في الشرائع السابقة ، ولو عن طريق الإستصحاب ، كقضيّة القرعة التي طبّقها أنبـياءُ الله كزكريّا ويونس (ع) ، قال الله تعالى [وَما كنت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ، وَما كنت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] [٨٤٠]وقال [وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ] [٨٤١] وكحرمة الربا ، فعلى فرض عدم ورود حرمة الربا في الشريعة الإسلاميّة ما هو المانع من التمسّك بقوله تعالى [فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيـباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبـيلِ الله كَثِيراً وأَخْذِهِمُ الرِّبَا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ ، وأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً] [٨٤٢]،وكجواز الجهالة الجزئيّة في مقدار الجعل ، استشهاداً بقوله تعالى ـ في حكاية قصة مؤذِّنِ يوسف على نبـينا وآله وعليه السلام ـ [قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ ، وَلِمَن جَاءَبِهِ حِمْلُ بَعِيرٍوَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)] [٨٤٣] ، لا بل العقل الصافي يقبل الجهالة الجزئيّة في مقدار الجعل ، لأنه أشبهُ بالهديّة ، والعامل لم يسأل عن مقدار الجعل بالدقّة ، فإقدامُه كافٍ في إلزامه بأقلّ ما يصدق عليه الجعلُ المعروض ، وككون فصال الرضيع عن ثدي اُمّه بعد كمال العامَين لقوله تعالى [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِوَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
[٨٣٩] في كتابه (الربا والبنك الإسلامي) ص ١٨ .
[٨٤٠] آل عمران ـ ٤٤ .
[٨٤١] الصافّات ـ ١٣٩ .
[٨٤٢] النساء ـ ١٦٠ ـ ١٦١ .
[٨٤٣] سورة يوسف .