دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٩٠ - مسألة الشكّ بين الأقلّ والأكثر
*البرهان الثالث : ما قال به بعضُ المتأخّرين وذَكَرهُ صاحبُ الكفاية[٧١٣]وهو أنّ المولى تعالى إذا أوجب تكليفاً ما علينا فإنما يوجبه لغرضٍ ما ، وذلك لقولنا بأنّ الأوامر والنواهي ناشئةٌ من ملاكات في متعلَّقاتها ، وليست عبثيّة ، وذلك كما إذا شككنا في وجوب جزء أو شرط في الوضوء مثلاً ، فلم نفعله لإجراء البراءة فيه ، فإنـنا لا محالة سنشكّ في حصول الأثر المعنويّ البسيط وفي حصول النور الذي سوف يَعْرُضُ على المتوضّئ . فإذن لا يمكن لنا أن نُجريَ البراءةَ عقلاً ، وإنما يجب أن نُجريَ أصالةَ الإشتغال والإحتياط لأجل تحصيل العلم بحصول النورانية بشكل قطعي .
وكذلك الأمر في كلّ الموارد ، فمثلاً : الصلاة ، فإنك تعلم أنّ الغرض من الصلاة هو النهي عن الفحشاء والمنكر والعروجُ إلى الله تعالى ونحو ذلك ، فأنت إذا أجريتَ البراءةَ عن الجزء المشكوك فإنك ـ لا محالةَ ـ سوف تشكّ في تحصيل هذا الغرض المهمّ ، فإذن يوجب العقلُ عليك الإتيانَ بالمشكوك لتـتأكّد من حصول الغرضِ المطلوب شرعاً ، وكذا لو شككنا في دخالة جزء أو شرط في الصيام فلم نفعله فنحن نشكّ في تحصيل ملكة التقوى ، وكذا في غير العبادات ، كما لو شككنا في دخالة العربـية في عقد النكاح أو في إيقاع الطلاق فنحن نشكّ في حصول العُلقة الزوجية وفي انفكاك هذه العُلقة[٧١٤].
[٧١٣] راجع (حقائق الاُصول) بحث الصحيح والأعمّ ، آخر مسألة تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة ص ٥٨ ـ ٦٠ .
[٧١٤] وذَكَرَهُ في بحر الفوائد في شرح فرائد الشيخ الأعظم الأنصاري ج ٢ / في الوجوه المتمسَّك بها للحكم بالإشتغال في الأقلّ والأكثر ص ١٥٠ قال : "رابعها : ما سلكه بعضُ مَن تأخَّرَ ورَكَنَ إليه من أنّ الأحكام الشرعيّة لما كانت مبنيّة على المصالح والمفاسد الكامنة في الأفعال ومعلولةً لها حقيقةً على ما استقر عليه رأيُ العدليّة من الإماميّة والمعتزلة فالمطلوب الأوّلي في كل واجب في الحقيقة هو تحصيل المصلحة الموجِبة لوجوبه إذ هو المقصود بالطلب والعنوان في الواجب وإن كان الأمر معلَّقاً في الظاهر بنفس الفعل إلا أنّا نعلم من جهة انطباق العنوان المطلوب حقيقة عليه ، فالواجب هو تحصيل تلك المصلحة الواقعيّة أوّلاً وبالذات ويكون الأمر بالفعل من حيثُ كونِه وُصلةً إليه ، وهذا معنى قولهم إنّ الواجبات السمعيّة إنما وجبت لكونها ألطافاً في الواجبات العقليّة ولو بالإجمال حيث إنّ العقل يحكم بلزوم ما أوجبه الشارع المقدّس من حيث اشتمالِه على ما يجب تحصيله في حكم العقل . وإن شئتَ تقريرَ الدليلِ على معنى آخر لقولهم فقُلْ : إنه لا شكّ في كون العنوان في الواجب السّمعي الذي أوجب وجوبه كونه لطفاً ومقرِّباً إلى المستقلات العقليّة التي يحكم العقل بها تفصيلاً مع قطع النظر عن الأحكام الشرعيّة السمعيّة كَرَدِّ الوديعةِ ونحوِه من حيث إنّ إيجاب فِعْلِ الواجباتِ هو تكميل النفوس الموجِبُ للتـنـزُّهِ عن القبائح والمنكَرات العقليّة كما يدل عليه قوله تبارك وتعالى [إنَّ الصَّلاةَ تـنهى عَن الفَحْشاءِ والْمُنْكَر] ، فالواجبُ أوّلاً هو تحصيل اللطف ، فإذا لم يعلم تحصيل المصلحة أو اللطف بفِعْلِ الأقلِّ فيجب ـ في حكم العقل ـ الإتيانُ بالأكثر من حيث كونِه محصِّلاً يقينيّاً لهما ضرورةَ لزومِ تحصيل المأمور به على سبـيل الجزم واليقين وعدمِ جواز الإكتفاء باحتمال حصوله ، ولم يخالِفْ فيه أحدٌ من العلماء والعقلاء . وسيجيء الإعترافُ به من شيخنا الأستاذ العلاّمة قُدِّسَ سِرُّه في المسألة الرابعة ، فإنّ مرجع الدليل المذكور إلى رجوع الشبهة الحكميّة دائماً إلى الشبهة الموضوعيّة بالإعتبار المذكور وإن كان الفرق بـينهما من جهة أخرى وهي عدم تبـيُّنِ القضيّة الظاهريّة الشرعيّة في الأولى وتبـيُّنُها في الثانية .