دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٣٣ - البراءة في الكتاب الكريم
يقول السيد الشهيد الصدر ـ بتصرّفٍ قليل مِنّا للتوضيح ـ : "والمتعيّنُ مِنَ الإحتمالات هو الرابع ، فإنّ الإحتمال الأوّل ـ وهو إرادة (التكليف) بالموصول ـ لا يناسب موردَ الآية ، إذ في صدر الآية أمَرَ اللهُ تعالى الأزواجَ أنْ يُنفقوا في العِدّة الرجعية بمقدار قُدرتهم وسَعَتهم المالية ، ثمّ قال : لا يكلِّف اللهُ نفساً إلا ما آتاها ، فلا يمكنُ ـ بمقتضى الحِكمة والسياق ـ أن يكون المرادُ من الآية "لا يكلّفُ اللهُ نفساً إلاّ ما أعلمها" . وأمّا الإحتمال الثاني ، وهو أن يراد بالموصول (المال) ، فهو : أوّلاً : خلافُ إطلاق اسم الموصول في نفسه ، ومجرّدُ خصوصيّة المورد لا توجب التقيـيدَ ، غايةُ الأمر أنّها توجب كونَ المالِ قدراً متيقَّناً في مقام التخاطب ، والقدرُ المتيقن في مقام التخاطب لا يضرّ بالإطلاق . وثانياً : إنـنا يمكن أن نستشعر من سياق الآية أنّ هذه الجملة قد سِيقَت مَساقَ التعليل وبـيان كبرى كلِّيّة للمورد ، فهذا الظهور يناسب أوسعيّةَ الكبرى وعدمَ مطابقتها للصغرى في مدى سعة دائرة الموضوع . وأمّا الإحتمال الثالث وهو أن يراد بالموصول (الفعل) ، فهو أيضا خلاف الإطلاق ومقدمات الحكمة ، فيتعيّن الرابع ، وبه يتمّ الإستدلال بإطلاق الآية الشريفة على البراءة" (إنـتهى) [٦٣٥] .
قد تقول : لم يصلِ الوضوحُ في الإحتمال الرابع إلى مستوى الظهور العرفي الذي يأخذ به الناسُ ، إذ وردت كلمة [آتاها] في قلب سياق النفقة ، بحيث ذُكِرَتْ النفقةُ قبل [آتاها] وبَعدَها ، إضافةً إلى أنّ استعمال [آتاها] بمعنيـين : (الإقدار) و (الإعلام) بعيدٌ في نفسه ، لأنه استعمال لكلمةٍ واحدة في معنيـين متغايرَين !!
فأقول : إنّ إيراد [لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا] موردَ التعليل واضح في إرادة المعنى الجامع الكلّي ، بمعنى أنّ الله لا يكلّف نفساً إلاّ ما آتاها من قدرة وعلم ، وهذا التعليل يفهمه الناس بأدنى تأمّل ، على أنه قد رَوَى في الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى (بن عبـيد اليقطيني يونسي اختَلَف علماؤنا في شأنه ، لكنه جليل القدر في أصحابنا ثقة عين كثير الرواية حسن التصانيف) عن يونس بن عبد الرحمن عن حماد بن عثمان عن عبد الأعلى (بن أعين مولى آل سام يروي عنه ابن أبي عمير وهي أمارة الوثاقة) قال قلت لأبي عبد الله t: أصلحك اللهُ ، هل جُعِلَ في الناس أداةٌ يَنالون بها المعرفةَ ؟ قال فقال : لا ، قلت : فهل كُلِّفوا المعرفةَ ؟ قال : لا ، على الله البـيانُ ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً اِلاّ وسعها ، ولا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً اِلاّ ما آتاها[٦٣٦]وهي مصحّحة السند ، وهي تقول بأنّ على اللهِ البـيانَ وإيصالَ التكليف وإلاّ فلا
[٦٣٥] مباحث الاُصول ج ٣ من القسم الثاني ص ٨٥ .
[٦٣٦] جامع أحاديث الشيعة ج ١ ب ٨ من أبواب المقدّمات ح ١٠ ص ٣٢٧ .