دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣٥ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
* ومِن طرقِ تصحيح الصلاة هو ما تبنّاه صاحبُ الكفاية من أنه ـ رغم قوله باستحالة وجود أمْرٍ في الصلاة وبارتـفاع فعليّته ـ لا يـبعد تصحيحُ الصلاة بوجود ملاك فيها ، أي تُصَحَّح الصلاةُ لمحبوبـيتها عند الله سبحانه وتعالى ، فهي إذن مطلوبةٌ رُوحاً ، أي أنه أتى بتمام الغرض المطلوب ، وأيضاً يمكن التـقرّب بها إلى المولى جلّ وعلا لمحبوبـيتها[٢٨٢] .
* ومن الطرق لتصحيح الصلاة المذكورة ما ذكره صاحبُ الكفاية أيضاً من أنه بمقتـضى تعلّق الأوامر بالطبائع ـ أي الملغاة عنها كلُّ الخصوصيّات والحالات كما في حال وجود أهمّ ـ لا بالأفراد نقول : يصحّ الأمر بالجامع بين الأفراد المزاحَمة بالأهمّ والأفراد غير المزاحَمة بالأهمّ ، وعليه فيمكن بمقتضى وجود أمر بهذا الجامع أن نأتي بالطبـيعة ضِمن هذا الفرد المزاحَم بالأهمّ ، ولا فرق في نفس الصلاة بين هذا الفرد المزاحَم بالأهمّ وبين غيره من الأفراد غير المزاحَمة ، ولذلك يقول العقلاء بأنّ الشارع المقدّس يرخّص لنا ـ عقلاً ـ في تحقيق طبـيعيّ الصلاة بالصلاة المزاحَمة بالأهمّ ـ وإلاّ وقعنا في مبغوضَين ـ كما يرخّص لنا أن نصلّي بالثوب الأبـيض أو بالأسود أو أن نصلّي في هذا المكان المباح أو في المكان المباح الآخر ... فنصحّح الصلاةَ من هذا الطريق أيضاً [٢٨٣] .
وهكذا رأيتَ أنه يوجد ثلاثةُ طرق لتصحيح الصلاة المذكورة : وجود أمْرٍ بالمهمّ بنحو الترتّب ـ وقد عرفتَ أنه أمْرٌ بديهي جداً ـ والطريقين الأخيرين .
* وممّا ذكرنا تعرفُ أنه لا مجال لإيراد بحث (إقتضاء حرمة العبادة لبطلانها) ، لأنه لا تحرم الصلاةُ في حالة المزاحمة .
* ثم إنه لا شكّ أنّ الكسر والإنكسار في مرحلة الملاك إنما هو من شأن المولى تعالى ، فهو العالِم بالمصالح والمفاسد ، وأمّا نحن فقد يصعب علينا أن نعرف النـتيجة وحُكْمَها ـ بعد الكسر والإنكسار بين المصالح والمفاسد ـ في الكثير من الحالات . مثلاً : في ضيق الوقت هل يجب علينا أن نقرأ السورة بعد
[٢٨٢] ذهب صاحب الكفاية إلى صحّة الضدّ العبادي حتى على مذهب القدماء القائلين بتوقّف صحّة العبادة على الأمر ، بناءً منهم على انحصار المقرّب فيه وعدمِ كفاية الملاك والمحبوبـية في قصد التـقرّب . ذكر ذلك صاحب منـتهى الدراية ج ٢ ص ٥٥٨ ، وذَكَرَه نفسُ صاحب الكفاية في متن منـتهى الدراية ج ٢ ص ٥٧٤ .
[٢٨٣] ومن هنا تلاحظ أنّ مشكلتـنا مع صاحب الكفاية ليس في تصحيح الصلاة ، فإنها عنده صحيحةٌ بدليلين ، وإنما هي في عدم إيمانه بوجود أمْرٍ بالصلاة في حال مزاحمتها بالأهمّ .