دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٤٦ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
ولولا هذه الرواياتُ المؤيَّدةُ بحكم العقل القطعي لما فتحنا كتاباً ولا بحثـنا وفحصنا ولأفتَينا من دون بحثٍ ولا فحص حتى ولو احتملنا أن تكون فتاوانا وعباداتـنا ومعاملاتـنا فاسدةً باطلةً ، فيذهبَ الدينُ شيئاً فشيئاً حتى تـنطفئ شعلتُه وهذا باطل عقلاً ... إذن المرفوعُ هو الحكم الواقعي المجهول لكنْ بعد الفحص والبحث ، بمعنى أنّ الحكم الواقعي المجهول غيرُ منجَّزٍ علينا .
فإن قلتَ : آمنّا بذلك ، لا بدّ من الفحص والبحث في الأدلّة الشرعية ، وهذا أمرٌ عقلي أيضاً ، لكنْ مع ذلك لا يمكن رَفْعُ الخطأ والنسيانِ من جهةٍ اُخرى ، إذ هُما وكلُّ المذكورات ، موجودةٌ في الخارج ، ففي الخارج يوجَدُ خطأٌ ونسيانٌ وإكراه وو .. فكيف تكون مرفوعة ؟!
قلتُ : المراد بالمرفوع في الرواية هو ـ كما قلنا ـ الحكمُ التـنجيزي ـ لا الوجود التكويني للخطأ والنسيان ونحوهما ـ وبالتالي لا مؤاخذةَ على المخطئ والناسي والجاهل والمكرَه ... وهذا هو المطلوب من رفْعِ الخطأ والنسيان وما لا يعلمون وو ، وهذا هو المطلوب من المنّ والتفضُّلِ ، فالمطلوبُ هو رفْعُ المؤاخذةِ فقط لا أكثر ، هكذا وبكلّ بساطة ، وهكذا يَفهمُ كلّ الناس . وبتعبـير آخر ، حينما يريد المولى أن يَمُنّ على الناس فإنه يَكفي أن يَرفع عنهم التـنجيزَ ، ولا داعي لرفع الفعلية ، يعني إذا كانت جلسة الإستراحةُ واجبةً واقعاً وهو بَحَثَ كثيراً ولم يجد الحكمَ فرجع إلى قاعدة البراءة ، فهذا صحيح عقلاً وشرعاً ، وأصالةُ البراءة العقلية وقاعدتها الشرعية تكتفيان برفع التـنجيز ، ولا داعي لرفع الفعلية ، ولا سيّما أنّ مرتبةَ الفعليةِ هي وليدةُ تحقُّقِ شرائطِ الفعلية كزوال الشمس والبلوغ والعقل .
وذهب المحقّق النائيني والسيد الشهيد الصدر الأوّلإلى أنّ المرفوع هو نفسُ الأشياء المذكورة ولكن بنظر الشارع ، فـ شِرْبُ الخمرِ المضطرُّ إليه مرفوعٌ شرعاً ، فهو لم يشربِ الخمرَ شرعاً ، والمراد من وراء هذا الرفع هو رَفْعُ الحرمة ، أو قُلْ رفْعُ الحكم[٦٥٤] .
وهذا الإحتمال باطل لأنّ الأحاديث نَزَلَتْ إلى الناس ، وهذا الإحتمال لا يتصوّرُه أحدٌ في العالمين ، فإنّ العرف إذا سمعوا هذا الحديثَ ورأَوا شخصاً يشرب الخمرَ حالَ الجهل أو الإضطرار أو الإكراه لا يَفهم من الحديث أنّ هذا الشخصَ لم يشرب الخمرَ بنظر المولى تعالى ، فإنّ شِرْبَه له تكويناً يَصْرِفُ ذِهْنَه عن هكذا رفْع ، وإنما يفهم أنّ آثار الشرب غيرُ منجَّزة .
[٦٥٤] أنظر الحلقة الثالثة / بحث أدلّة البراءة من السُّنَّة / المرحلة الأولى من مراحل البحث حول حديث الرفع .