دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧٣ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
الجانب ، وهذا قد يحدث للأمور الدنيوية ، كما في إرادة الإقدام على بعض الأعمال الصعبة ، ولذا قيل في المثل (إذا هِبْتَ أمْراً فقَعْ فيه) ، والهَيـبة والرهبة متشابهان في هذا المجال ، وكما في إرادة مقابلة بعض الشخصيات المهمة في المجتمع ، كما لو كان الفرد المرادُ مقابلتُه عالماً أو حاكماً أو حكيماً ، ولذا ورد أنه لا ينبغي للفرد أن يَهابَ غيرَ الله أو يَرهبه . ولذا إذا اتصلت هذه العاطفة بالله سبحانه كانت حقاً لا رَيبَ فيه ، لأنه جلّ جلاله أهْلٌ لأن نَرْهَبَ منه وأن نخافه وأن نستعظمه ، لأنه أهْلٌ للعظمة والجلال . الأمر السادس : تدل الآية الكريمة التي نـتحدث عنها على أنّ الرهبة أو الرهبانية لم تكن موجودة فيما قبل هذا الجيل من أتباع المسيح (ع) ، والسرُّ الذي نعرفه في ذلك هو أن العطاء الإلهي يناسب دائماً مستوى الفرد الثقافي والإيماني والعقلي ، فلم يكن مستوى المؤمنين قبل ذلك يناسب مثلَ هذا العطاء الكبـير ، على حين كان هذا الجيل هو أول جيل مستحق لهذا العطاء في البشرية . ولا يخفى أنَّ اتِّباعه للمسيح (ع) له دخْلٌ كبـيرٌ في هذا العطاء لما اشتهر بالتواتر عن هذا النبيّ الكريم من الزهد بالشهوات ومن البُعْدِ عن الدنيا والأمرِ بانـتظار الموت والعمل للآخرة ، فعندما يرَون نبـيَّهم على هذا المنوال وهم الذين اتبعوه بحق ، يكونون أولى الناس بهذا الشعور وبهذا المسلك . الأمر السابع : تدل الآية الكريمة على أنّ الرهبانية مكتوبة على هؤلاء ، والكتابة هنا إمّا أن يراد بها الكتابة التكوينية الخلقية ، وإمّا أن يراد بها الكتابة التشريعية ، فالكتابة التكوينية هنا أكثر من إيداع هذه الرهبة في قلوبهم ، فكأنه قال : ما فعلنا ذلك إلاّ ابتغاء مرضاة الله ، يعني لكي يـبتغوا مرضاةَ الله عزّ وجلّ . والكتابة التشريعية تعني الطلب منهم وجوباً أو استحباباً أن يمشوا في هذا الطريق ، ويواكبوا هذه العاطفة ، وهي الرهبانية ، ويؤكِّدوها بالشكل الذي يعلمون . ولعلّ هذا هو الأظهر من الآية الكريمة ، والذي فهمه أكثر المفسرين ، وإن كان الأول لا يخلو من وجاهة .
ومن الطريف أن السيّد الطباطبائي في تـفسير الميزان نَفَى دلالة الآية على التشريع ، بل قرّب دلالتها على عدمه لقوله [ما كَـتَبْناها عَلَيْهِمْ] ، قال : "وقوله [ما كَـتبناها عليهم] في معنى الجواب عن سؤال مقدَّر كأنه قيل : ما معنى ابتداعهم لها ؟ فقيل : ما كتبناها عليهم ، والمعنى أنهم ابتدعوا من عند أنفسهم رهبانيةً من غير أن نشرعه نحن لهم . وقوله [إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها] استـثـناء منقطع معناه ما فرضناها عليهم لكنهم وضعوها من عند أنفسهم ابتغاءً لرضوان الله وطلباً لمرضاته فما حافظوا عليها حق محافظتها بتعدِّيهم حدودَها ، وفيه إشارة إلى أنها كانت مرضية عنده