دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٠٥ - تـنزيل خبر الثقة منزلة اليقين أو مسلك الطريقية
* * * * *
* ملاحظة : بعد الذي رأيتَ من الأدلّة على حجيّة خبر الثقة ، تلاحظُ عدمَ تقيـيد هذه الأدلّة بالظنّ بصحّة مفاد خبر الثقة أو بعدم الظنّ بالخلاف ، فهو حجّة مطلقاً ، فلو جاءت رواية ضعيفة السند مظنونة الصدور تخالف خبر الثقة فلا تضرّ في حجيّة خبر الثقة . وبتعبـير آخر ، سيأتينا ـ في أوائل أبحاث الاُصول العملية / بحث الفرق بين الأمارات والاُصول ـ أنّ السبب والملاك في حجيّة الأمارات هو أغلبـية موافقتها للواقع ، لكن أغلبـية موافقتها للواقع هو من حيث مجموع الأمارات ، لا من حيث الظنّ بموافقة كلّ خبر خبر وكل أمارة أمارة للواقع ، وإلاّ لاشترطنا ح حصول الظنّ بصدق كل خبر ثقة نريد أن نعمل به .
تـنزيل خبر الثقة منزلة اليقين أو مسلك الطريقية
عرفت سابقاً تـنزيلَ آية النبأ لاحتمال أصابة الواقعِ منزلةَ اليقين ، وقلنا إنّ الشارع المقدّس يعتبر مؤدّى الأماراتِ بمنزلة الواقع ، ويعتبرُ الإحتمال الناشئ من خبر الثقة بمثابة العلم بالواقع ، كما هو واضح من خلال قوله تعالى[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبـَيَّنُوا أَن تُصِيـبوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ][٤٩٥] فهي تعتبر خبر العادل بَـيِّناً أو قُلْ بـياناً وعِلْماً ، لأنه لا يحتاج إلى تبَـيُّن وتأكّد ، بخلاف خبر الفاسق .
وهنا نريد أن نذكر الروايات الدالّةُ على تـنزيل خبر الثقةِ منزلةَ اليقين ، والدالّة على تـنزيل المشكوكِ منزلةَ الواقعِ فهي من قبـيل :
١ ـ ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بـينهما منازَعةٌ في دَين أو مِيراث ... قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثـنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضَوا به حكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبَلْ منه ، فإنما استخف بحكم الله ، وعليه رَدَّ .. فتلاحظُ أنّ الإمام (ع) نَـزّل حُكْمَ الحاكمِ الشرعي ـ أي الفقيه المجتهد الصالح ـ منزلةَ حكم الله جلّ وعلا ، لا بل نزّله منزلةَ العارف بأحكامهم iبقوله (ع) وعرف أحكامنا فاعتبره عارفاً مع أنه قد اعتمد في ٩٩% من فتاواه على الأمارات
[٤٩٥] سورة الحجرات ـ ٦ .