دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٩١١ - * أمّا الدليل المخصِّص
تخصيص متّصلٍ وأوّلَ ما يَتبادَرُ إليه ذهنـُنا هو (أكرم خصوص العدول من العلماء) ـ حتى ولو سمعنا ذلك مِن مُسَجِّلة ، أي مع غضّ النظرِ عن حال المتكلّم وهل أنه جادٌّ أو هازل ـ ، فإنّ الدلالة التصوّريّة لمجموع (العلماء العدول) هي وليدة (الوضع المركّب) الذي هو عبارة عن حصول قَرْنٍ أكيدٍ بين اللفظ المركّب والمعنى ، بحيث يحصل تبادرُ المعنى الموضوع من اللفظ تكويناً . وأنت إذا نظرت إلى (العلماء العدول) ـ ككلمةٍ واحدة مندمجةٍ معنىً ، أي أنّ النسبة بـينهما هي نسبة اندماجيّة ـ سوف يتبادر إلى ذهنك معنى واحدٌ ، تكويناً . فالتعدّدُ في كلمة (العلماء العدول) هو كالتعدّد في أحْرُفِ الكلمة الواحدة ، فكما أنك لا تـتصوّر معنى الكلمة حتى يكتمل لفْظُها ، فكذا هنا ، لكنك في كلمة (العلماء العدول) عَدَّدْتَ الكلامَ مِن باب القهر والضرورة ، لأنك أحياناً لا يمكن لك أن تعطي الصورةَ المطلوبةَ إلاّ مع ذِكْرِ هذا التعدّدِ ، ولذلك قال العلماء بأنّ النسبة المعنويّة بـينهما هي (إندماجيّة) لذلك قالوا هي نسبة ناقصة لأنه لا يصحّ السكوت عليها ، بخلاف النسبة المعنويّة الذهنيّة بين معنى (أكرِمْ) ومعنى (العلماءَ العدولَ) فإنّ النسبة المعنويّة بـينهما هي غير إندماجيّة ، وإنما هي نسبة تامّة طلبـية ، يصحّ السكوت عليها ، وكذلك الأمر تماماً في قولك (رأيتُ أسداً) وفي قولك (زيدٌ قائمٌ) فإنّ النسبة بين الكلمات فيها ـ أي بين رأيتُ وأسداً ـ غيرُ إندماجيّة ، فيصحّ السكوتُ عليها لإفادتها معنى تامّاً .
صحيح أنّك إذا نظرتَ إلى كلّ كلمة لوحدها فسوف يتبادر ذهنُك تكويناً إلى معناها الخاصّ ، فإنّ المعنى الأوّل المتبادَر هو المدلول التصوّري لخصوص كلمة (العلماء) ، والمعنى الثاني المتبادَرُ هو المدلول التصوّري لخصوص كلمة (العدول) ، وإلاّ فلولا هذه المداليلُ التصوّريّة الجزئيّةُ لا يمكن تصوّرُ المدلولِ التصوّري المجموعي لمجموع الكلام . المهم هو أنّ هذه المداليل التصوّريّة الجزئيّة لكلّ كلمة كلمة هي مقدّمةٌ لمعرفة المدلول التصوّري المجموعي ، لأنّ المعنى المجموعي لكلتا الكلمتين ـ في مرحلة الدلالة التصوّريّة ـ مركّب من مجموع معاني تصوّريّة جزئيّة لكلمة (العلماء) ولكلمة (العدول) ، وبالتالي يَحْصل مدلولٌ جمعي واحد لكلمتَي (العلماء العدول) . فأنت إذا قلتَ (أكرِمِ العلماءَ العدول الموجودِين في هذه الحوزة) ـ رغم تعدّد الكلمات ـ فكأنك قلتَ (أكرم هؤلاءِ) بكلمة واحدة ، وإذا قلتَ (أكرِمْ غلامَ زيدٍ القصيرَ الأسمرَ) فكأنك ذَكَرْتَ إسمَه وقلتَ (أكْرِمْ عَمْرَواً) ، وإذا قلت (لا إلهَ إلاّ اللهُ) أو (وَيلٌ للمُصَلّين ، الذين هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُون) فإنك لا تـتصوّر المداليلَ التصوّرية المجموعيّة إلاّ بعد جمع كلّ المداليل التصوّريّة لكلّ كلمة كلمة ، أي بعد انـتهاء مجموع الكلام .. لذلك كان التخصيص المتّصلُ مؤثِّراً في مرحلة الدلالة التصوّريّة فضلاً عن المرحلة التصديقيّة .