دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٧١ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
ترك أمر مطلوب لا ينافي حُسْنَه ، لتمانع أكثر الطاعات مع اتصاف جميعها بالحسن ، وإنما أطلق عليه الحصور لأنّ وجود الشهوة فيه بمنزلة العدم ، فكأنه حصور لا شهوة له أصلاً ، وليس إطلاقه عليه لترك النساء الملزوم لترك التزوّج حتى يكون مدحاً له على ذلك فيستلزم مرجوحيةَ التزوّج ، ولا لسلب الشهوة ونزعها عنه بالكلية حتى ينافي وروده مورد المدح والثـناء ووقوعَه نعتاً لمن لا يليق به النقص . وعلى كل حال فلا دلالة في الآية على رجحان ترك التزوُّج لمن تـتوقُ نفسُه إليه" (إنـتهى) [٨٥٨]. أقول : لا شكّ أنّ ترجيح عدم الزواج كان أمراً خاصّاً بـيحيى وعيسى واُمّه مريم (علیهم السلام) لا تشريعاً عامّاً كي يصحّ استصحاب استحباب العزوبة .
* ولِما ذكرنا من ظروف خاصّة شرّع اللهُ تعالى بعضَ الأحكام الخاصّة بـبني إسرائيل فقال [ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا، وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ،وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةًوَرَحْمَةًوَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَـتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ،وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)] [٨٥٩] . إذن شرَّعَ اللهُ لهم هذه الرهبانيّةَ ابتغاءَ رضوانِه جلّ وعلا ولتلك الظروف المعروفة ، لكنها لا شكّ أنها كانت رهبانيّة عقلائيّة وكانت ذات أسباب وجيهة جدّاً ، وإلاّ لما كتبها الله عليهم ابتغاء نيل رضوانه . والظاهرُ أنّ رهبانيّتهم كانت (صلاةَ الليل) ونحوها ، وذلك لما رواه في يب بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن أسباط (بن سالم ثقة وكان أصدق الناس لهجةً وأوثقهم ، كان فطحيّاً ثم رجع إلى المذهب الحقّ) عن محمد بن علي بن أبي عبد الله (يروي عنه البزنطي بسند صحيح وهذا أمارة الوثاقة) عن أبي الحسن (ع) في قوله تعالى [ورهبانيةً ابتدعوها ، ما كـتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله] قال : صلاة الليل ، ورواها الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين ، ورواها الصدوق في (العلل وفي عيون الأخبار) عن أبـيه عن محمد بن يحيى مثله [٨٦٠] مصحّحة السند ، إذن المراد من (الرهبانيّة) هي صلاة الليل لا الرهبانيّة السلبـية التي قد تـتبادر إليها الأذهان . إذن معنى الآية ـ واللهُ العالم ـ هو أنّ الله تعالى جعل فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ـ أي المؤمنين ـ رَأْفَةًوَرَحْمَةًوَرَهْبَانِيَّةً جيّدة كصلاة الليل والإستغفار في الليل والتـفرّغ لعبادة الله ، لكنْ هم ابتدعوا هذه العبادات الحميدة ، وليس الله تعالى ، ولم تكن مِن
[٨٥٨] جواهر الكلام ج ٢٩ ص ٢١ .
[٨٥٩] سورة الحديد .
[٨٦٠] ئل ٥ ب ٣٩ من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة ح ٩ ص ٢٧٠ .