دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٨ - تعريف عِلْمِ الاُصول وموضوعه
خبر الثـقة ـ مثلاً ـ وحجيّةِ الظهور وترجيح الروايات المتعارضة بمخالفة العامّة ، التي تدخل مباشرةً في عمليّة الإستـنباط . والخلاصة هي أنّ نظر القواعد الأصوليّة وغايتها هي في تعريفنا وتعليمنا على القواعد التي تدخل في عمليّة الإستـنباط مباشرةً ويكون نظرها إلى الإستـنباط ، بخلاف القواعد الرجاليّة والحديثيّة والنحويّة .
*وهنا ينشأ إشكالان وهما عن توجيه دَخالةِ مباحث الألفاظ والمباحث العقليّة في علم الأصول
الأوّل : يتساءل بعضُ الناس عن مباحث الألفاظ ـ كقولهم (الأمرُ يدلّ على الوجوب ) وكقولهم (الجملةُ الشرطيّةُ ظاهرةٌ في المفهوم ) ـ فيقولون : أليست هي داخلةً في عِلم اللغة وليس في علم الأصول ؟! وأليست هي واسطةً بعيدة وغيرَ مباشرة في عمليّة الإستـنباط ، بمعنى أنها كالقواعد الرجاليّة والنحويّة في ذلك ؟! فلماذا يُدخِلونها في علم الأصول ؟
فأقول : مِنَ الواضح صحّةُ دخولِها في اللغة وفي علم الأصول ، وذلك لأنّ فيها جهتين ، ولكن بما أنّ هذه المباحث يَدخل فيها ـ دائماً أو غالباً ـ بعضُ المباحث العقليّة كالإطلاق ـ وليس الإطلاقُ من المباحثِ اللُغَوِيّة ـ كان الأحسنُ إدخالَها في علم الأصول ، فإنّ البحث في دلالة الأمْرِ على الوجوب ، كما تُدَّعَى بالتبادر ، تُدَّعَى أيضاً بالإطلاق ، وكذا الأمرُ في قولهم (الجملةُ الشرطيّةُ ظاهرةٌ في المفهوم) فإنّه كما يُدَّعَى الظهورُ بالتبادر ، يُدَّعَى أيضاً بالإطلاق . وأمّا بالنسبة إلى إشكالهم الثاني ـ وهو قولُهم "أليست هي واسطةً بعيدة وغيرَ مباشرة في عمليّة الإستـنباط" ـ فجوابُه هو أنّ نظرنا من مباحث الألفاظ هو الإقدار على الإستـنباط ، فهي ليست من قبـيل القواعد الرجاليّة والنحويّة الناظرة إلى أمور أخرى كتوثيق الرجال مثلاً ، فإنّ توثيق الرجال أمْرٌ يفيد في عدّة مجالات كإثبات الأمور التاريخية والروايات الأخلاقية والأمور العِلميّة ، وليس ناظراً إلى عمليّة الإستـنباط ، وإن كان يفيدنا أيضاً في الإستـنباط ، فإنّ كثيراً من العلوم تفيد في الإستـنباط ومع ذلك هي ليست داخلة في علم الأصول ، كعلم النحو مثلاً وعلمِ الصرف واللغة العربـية وعلم الحساب ـ كما ترى في كتاب المواريث ـ والهندسة ـ كما ترى في قياس الكرّ ـ .. ومع ذلك هي ليست داخلةً في علم الأصول .
الإشكال الثاني : كيف تَدخل المباحثُ العقليّة في علم الأصول ؟
الجواب : يتبين دخولُ المباحثِ العقليّة في علم الأصول من خلال مثالين : الأوّل نأخذه من مبحث الضدّ والترتّب وهو : لو كان شخصٌ محترمُ الدم يَغرق ، وشخصٌ آخر يريد أن يصلّي ، فمن الطبـيعي أنّ على الثاني أن يقدّم الأهمّ وهو الإنـقاذ ، لكنه ـ فَرَضاً ـ لم يُنقِذْ وإنما ذهب فصلّى ،