دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٩٥ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
قال الله تعالى[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبـينُوا أَن تُصِيـبوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ][١٧٩] فهي تعتبر خبر العادل بـيناً أو قُلْ بـياناً وعِلْماً ، لأنه لا يحتاج إلى تبين وتأكّد ، بخلاف خبر الفاسق . ولذلك فإذا اعتمدت على خبر العادل فإن اللوازم الأخرى تـترتّب ، فمثلاً : لك أن تـتهم قوماً بناءً على قول العادل ، وهذا لازم خطير ، وهذا ما يعبّر عنه في علم الأصول بتـنزيل الأمارة منزلة القطع الوجداني .
وأمّا في الروايات :
١ ـ فقد روى في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بـينهما منازعة في دَين أو مِيراث ... قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثـنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضَوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبَلْ منه ، فإنما استخف بحكم الله ، وعليه رَدَّ .. فتلاحظُ أنّ الإمام (ع) نزّل حُكْمَ الحاكمِ الشرعي ـ أي الفقيه المجتهد الصالح ـ منزلةَ حكم الله جلّ وعلا ، لا بل نزّله منزلة العارف بأحكامهم عليهم السلام بقوله (ع) وعرف أحكامنا فاعتبره عارفاً مع أنه قد اعتمد في ٩٩% من فتاواه على الأحكام الظاهرية ، وهذا يعني أنّ الشارع المقدّس نزّل الإحتمالَ الناشئ من الأمارة الحجّة أو من الأصل العملي منزلةَ العلم ، إذن هنا تـنزيلان .
٢ ـ وفي الكافي أيضاًعن محمد بن عبد الله الحِمْيَري ومحمد بن يحيى جميعاًعن عبد الله بن جعفر الحميري عن أحمد بن إسحاق (الرازي ثقة رضيَ اللهُ عنه) عن أبي الحسن (الهادي) (ع) قال : سألتُه وقلتُ : مَن أعامل ؟ وعمَّنْ آخذ ؟ وقولَ مَن أَقبَلُ ؟ فقال : العَمْري ثقتي ، فما أدَّى إليك عنّي فعَنّي يؤدي ، وما قال لك عني فعَنّي يقول ، فاسمع له وأطع فإنه الثقة المأمون ، قال : وسألت أبا محمد (ع) عن مثل ذلك فقال : العَمْرِيُّ وابنُه ثقتان ، فما أدَّيا إليك عَنّي فعَنّي يؤدّيان ، وما قالا لك فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثقتان المأمونان (صحيحة من الصحيح الأعلائي) فإنّ الإمام (ع) هنا أيضاً نزّل كلام ثقته كلامه بنفسه .
[١٧٩] سورة الحجرات ـ ٦ .