دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٦ - (المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
١ ـ التفريق بين الأمارات والأصول ، ولا نعرف في كلمات الأصوليين قبل الوحيد البهبهاني هذا التفريق ، ولأول مرة تختمر فكرة التميـيز بين هذين النوعين من الأدلة والحجج في كلمات الوحيد البهبهاني وتلامذة مدرسته ، وتـتعمق وتـتطور وتـتـفنّن فيما بعد في مدرسة الشيخ الأنصاري رحمه الله ، وتبلغ ذروتها من النضج والتطوير والعمق .
٢ ـ تـقسيم الشك :
الوحيد البهبهاني هو المُنَظِّر الأول لمسألة الشك في تاريخ علم الأصول ، بالتأكيد ، ويأتي من بعده الشيخ الأنصاري ، ليطَوِّر هذا التـنظير ، ويبلغ به حدّاً عالياً من النضج والتعميق والتطوير .
فقد لاحَظَ الأستاذُ الوحيد لأول مرة في تاريخ هذا العلم أنّ الشك في الأحكام على قسمين وليس قسماً واحداً ، ويترتب على كل منهما حكم ، يختلف عن الآخر ، وهذان القسمان هما : الشك في التكليف والشك في المكلف به ...
هذه خلاصة موجزة جداً عن مدرسة الوحيد البهبهاني التي نشأت وترعرعت وتعمقت في كربلاء ، ومهَّدَتِ الطريقَ لظهور مدرسة الشيخ الأنصاري فيما بعد في النجف الأشرف وهي مرحلة جيدة من مراحل تطور الفكر الأصولي عند الشيعة الإمامية .
ثم بعد ذلك ظهرت مدرسة الشيخ الأنصاري في النجف أواخر القرن الثالث عشر ، وكان رائد هذه المدرسة الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري ( ١٢١٤ ـ ١٢٨١ هـ ) ، وقد ظهرت هذه المدرسة بعد مدرسة الوحيد البهبهاني التي اقترن اسمها بالصراع العلمي الذي جرى بين الأخباريين والأصوليين ، واستفادت هذه المدرسة من كل ما تمخضت عنه مدرسة الوحيد ، وزادت عليها . فقد استوعب الشيخ مرتضى الأنصاري رائد هذه المدرسة الأفكار الأصولية السابقة عليه ، واستطاع أن يعيد بناء الأصول وصياغته ومنهجه مستفيداً من كل التجارب والأفكار والخبرات السابقة عليه . وتخرج من مجلس درسه فقهاء كبار من أمثال صاحب الكفاية المحقق المولى محمد كاظم الخراساني المعروف بـ "الآخوند" زعيم حركة الدستور ، والسيد محمد حسن الشيرازي الزعيم الديني المعروف والذي دخل في مواجهة مع الشركات الإنجليزية التي احتكرت تجارة الأتباغ في إيران ، وحرم استعمال الأتباغ ، وأجبر البلاط الملكي في إيران على إلغاء الإتفاقية مع الشركة البريطانية ... وغير هؤلاء من أعلام مدرسة الشيخ الأنصاري الذين ساهموا في تعميق وتطوير هذه المدرسة ، وتخرَّجَ على يد صاحب الكفاية المحقق الخراساني أعلامٌ كبار ومحققون في علم الأصول ..." (إنـتهى كلام الشيخ محمد مهدي الآصفي) .