دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٥٩٥ - * دلالات التـقرير
واِنْ كان المقصود بناءَ العقلاء في المقام الثاني ، فمن الواضح اَنّ جعْلَ شيءٍ منَجِّزاً أو معَذِّراً هو من شأن المولى والحاكم ، لا من شأن المأمور ، فمردُّ بناءِ العقلاء على جعل قول اللغوي منَجِّزاً ومعذِّراً ، إلى أن سيرة الآمِرين انعقدت على أن كل آمر يجعل قول اللغوي حجةً في فهم المأمور لما يصدر منه من كلام بنحو ينَجِّز ويعَذِّر .
وبعبارة أشمل : اِنّ سيرة كل عاقل اتجهت إلى أنه إذا قُدِّر له اَن يمارِس حالةَ الآمِرية فإنه يجعل قولَ اللغوي حجّةً على مأموره ، ومن الواضح اَنّ السيرة بهذا المعنى لا تـفوِّتُ على الشارع الأقدسِ غرضَه ، حتى إذا لم يكن قد جَعل قولَ اللغوي حجة ومنجِّزاً ومعذِّراً بالنسبة إلى أحكامه ، وذلك لأنّ هذه السيرة يمارسها كل مولى في نطاق أغراضه التشريعية مع مأموريه ، ولا يهم الشارعَ المقدّسَ الأغراضُ التشريعية للآخرين ، فكم فرقٍ بين سيرة العقلاء على ملكية الحائز وسيرِتهم على حجية قول اللغوي ، لأنّ السيرة الأولى تقتضي سلوكاً لا يُقِرُّهُ الشارعُ إذا كان لا يرى الحيازةَ سبـباً للملكية ، واَمّا ما تقتضيه السيرةُ الثانية من سلوك فلا يتجاوز الإلتزام بأنّ قول اللغوي منجِّز ومعذِّر في علاقات الآمرين بالمأمورين من العقلاء ، ولا يضر الشارعَ ذلك على أيّ حال .
فإنْ قال قائل : لماذا لا يُفترض بناءُ العقلاء على أن قول اللغوي حجةٌ بلحاظ كل حكم وحاكم وأمر وآمر بما فيهم الشارع ، فيكون هذا البناء مُضِرّاً بالشارع إذا لم يكن قد جعل الحجية لقول اللغوي .
قلنا : إن كون قول اللغوي منجزاً لحكم أو معذراً عنه اَمْرٌ لا يعقل جعله واتخاذ قرار به اِلاّ من قِبَلِ جاعل ذلك الحكم بالنسبة إلى مأموره ومكلَّفه ، فكل أب مثلاً قد يجعل الأمارة الفلانية حجة بـينه وبين أبنائه بلحاظ أغراضه التشريعية التي يطلبها منهم ، ولا معنى لأنْ يجعلَها حجة بالنسبة إلى سائر الآباء الآخرين مع أبنائهم ، وهكذا يتضح اَنّ الحجية المتبانَى عليها عقلائياً اِنما هي في حدود الأغراض التشريعية لأصحاب البناء أنفسهم ، فلا يضر الشارعَ ذلك .
وليس بالإمكان تصحيحُ الإستدلال بالسيرة على الحجية بأفضلَ مِنَ القول بأنها تمس الشارعَ ، لأنها توجب على أساس العادة الجريَ على طبقها حتى في نطاق الأغراض التشريعية لمولى لم يُساهِمْ في تلك السيرة ، وتوحي ولو ارتكازاً وخطأً بأنّ مؤداها موردُ الإتـفاق من الجميع ، وبذلك تصبح مستدعيةً للردع على فرض عدم التوافق ، ويكون السكوت عندئذ كاشفاً عن الإمضاء . وبهذا نعرف أنّ الشرط في الإستدلال بالسيرة العقلائية على الحجية بمعناها الأصولي ـ أي المنجزية والمعذرية ـ أن تكون السيرة العقلائية في مجال التطبـيق قد افترضت ارتكازاً اتـفاقَ الشارع مع غيره في الحجية ، وجرت في علاقتها مع الشارع على أساس هذا الإفتراض ، أو أن تكون على الأقل بنحوٍ يُعَرِّضُها لهذا الإفتراض والجري