دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٢٩ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
فإن قلتَ : كيف أجزتَ أن تـنسب الممنوعيّةَ إلى ترك الصلاة ، ولم تُجِزْ نسبةَ الحرمةِ إلى ترك الصلاة ؟! أليس هما واحد ؟!
قلتُ : الممنوعيّةُ غيرُ الحرمة ، الممنوعيّةُ عقليةٌ ، والحرمةُ شرعيّةٌ ، والأحكامُ العقليّة ليست أحكاماً شرعيّة ، وفي مجال العقل يجوز أن تـنسِب الممنوعيّةَ إلى الأعدام ، لكن بشرط أن يكون العدم من قبـيل عدم الملكة ، فتـقول مثلاً : ترْكُ الصلاةِ من الكبائر ، وتـقول : ترْكُ الصلاةِ ممنوع ، وتـقول : العمى هو عدم البصر ، وتـقول : عدمُ البصر هو مشكلة بدنـيّة ... فتكون بالتالي قد نسبتَ صفاتٍ وجوديّةً للأعدام . أمّا في مجال الأحكام الشرعيّة فهذا لا يصحّ ، وإنما يجب أن يكون موضوع الحكم وجودياً لا عدمياً ، فيجب أن يقال (الصلاة واجبة) شرعاً ، ولا يقال ترْكُ الصلاةِ حرام شرعاً ، وذلك لأنّ الأحكام الشرعيّة تـنشأ من الملاكات الوجوديّة وتـنظر إليها ، أمّا العقلُ فيصح منه التخيّلَ ، والعقلُ واسعُ التخيّل فيمكن له أن يتصوّر الأعدامَ المضافةَ ثم يَنسِبُ إليها الصفاتِ الوجوديّةَ ، أمّا الشرع فإنه ينظر إلى الأحكام من حيث ملاكاتِها الوجوديّة .
فإن قلتَ : كيف تـقول إنّ الشرع لا يتصوّر الأعدامَ ثم يَحكم عليها ، مع أنه حَرّم علينا في الصيام الأكلَ والشرب وغيرَ ذلك ، فقال : ترْكُ الأكلِ والشرب واجبٌ في شهر رمضان ؟!
قلتُ : الواجب في الصيام هو الكفّ والإمساكُ عن الطعام بنيّة القربة كما قال الفقهاء ، والكفّ والإمساكُ وتوطينُ النفس على ترك المفطِّرات هي أمور وجوديّة ، لا عدمية ، فليس الكفّ كالترك الذي هو أمر عدمي ، ولذلك ليس الواجب هو مجرّد ترك الطعام والشراب ونحو ذلك ، وإنما هو كفُّ النفْسِ عن الطعام بنيّة القربة ، وهو أمْرٌ وجودي واضح .
ونـتيجةُ البحث هي أنه إذا وجب شيءٌ فلا يحرم نـقيضُه العام ، وإنما يكون ترْكُ الواجبِ ممنوعاً عقلاً ـ لا شرعاً ـ أي الملازمة عقليّة بين طلب الشيء وبين ممنوعيّة تركه ـ أي يُدْرِكُ العقلُ ممنوعيّةَ ذلك ـ ويستحقّ العقابَ على ترك الواجبِ كما كان يستحقّ العقابَ على فعل الحرام تماماً ، لأنّ كليهما معصيةٌ واحدة بنظر العقل .
وأمّا في الضدّ الخاصّ :
فإنْ وجَبَ الأهمُّ ـ كالإنـقاذ ـ فإنه لا تحرم أضدادُه الوجوديّة ـ كالصلاة ـ وإنما يكون تحريمُ الضدّ كالصلاة ـ لو فرضنا وجودَ تحريمٍ ـ من باب لزوم تـقديم الأهمّ ، لا من باب التحريم الذاتي للصلاة . مثال آخر : أنت تعلم حرمةَ البـيع عند النداء لصلاة الجمعة ، لقول الله تعالى [ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ