دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦١٦ - * المقدمة السادسة حجيّة المداليل الإلتـزامية للأمارات دون الاُصول
الفوارق المعروفة بين الأمارة والأصل ، هذه الحكايةُ عن الواقع تفيدنا حجيّةَ المداليل الإلتـزامية العقلية والعرفية للأمارات ـ دون الأصول العملية ـ ، وعرفتَ سابقاً أنّ المولى تعالى حينما أعطَى الحجيّةَ لخبر العادل تراه اعتبر خبرَه عِلْماً وكاشفاً تعبّداً ، وهذا يعني أنّ مداليله الإلتـزامية العقلية والعرفية بما أنها داخلةٌ ضِمناً في الخبر فهي أيضاً علم ، لأنّ قوة الكاشفية في المدلول المطابقي والمدلول الإلتزامي واحدة ، فيكون احتمالُ الإصابة في المدلولَين المطابقي والإلتزامي منزّلاً بنفس القوة منزلة العلم ، ولعلّنا ذكرنا سابقاً الدليلَ على تـنزيل خبر العادل منزلة العِلم ، على كلٍّ ، الدليلُ على هذا التـنـزيل هو قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبـَيَّنُوا أَن تُصِيـبوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ][٦١٩] فهي تعتبر خبرَ العادل بـياناً وعِلْماً ، لأنه لا يحتاج إلى تبَـيُّن وتأكُّد ، بخلاف خبر الفاسق الذي يحتاج إلى التبَـيُّن والتأكّد والإحتياط ، ولذلك فإذا أخبرك الثقة بخبرٍ أنّ فلاناً قطع رأس زيدٍ فأنت نُزِّلْتَ ـ بمقتضى هذه الآية ـ منزلةَ العالِم بما أفاده وبلوازم ما أفاده وهو الموت ونزول الدم التي هي لوازم عاديّة لِقَطْعِ الرأسِ ، على أنّ التعليل بكونه ليس جهالةً ، يَفهم منه العرفُ بأنّ معناه هو تـنزيل احتمال الإصابة في خبر العادل ـ بكِلا مدلولَيه المطابقي والإلتزامي ـ منزلةَ أنك عالمٌ به وأنه ليس جهالةً .
ولاحظتَ أيضاً تـنزيلَ مؤدّى الخبر منزلةَ الواقع في صحيحة أحمد بن إسحق أيضاً العَمْرِيّ ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعَنّي يؤدّي ، وما قال لك عنّي فعنّي يقول ، فاسمع له وأطِعْ ، فإنّه الثّقة المأمون و العَمْري وابنُه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ، وما قالا لك عنّي فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثّقتان المأمونان [٦٢٠] .
فإن قلتَ : هذه الرواية هي في مقام إفادة أنّ الإمام tيريد تبـيـينَ أنه يعطيهما النيابةَ الخاصّة وليست في مقام بـيان تـنزيل المشكوك منزلةَ الواقع .
قلتُ : لو كان الأمرُ كذلك لما فرّع (ع) التـنزيلَ على قوله ثقتان في قوله العَمْري وابنُه ثقتان ، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان ، ولما عَلَّلَ التـنزيلَ منزلةَ الواقعِ بأنهما الثقتان المأمونان ولكان قال فإنهما ثقتاي .
[٦١٩] سورة الحجرات ـ ٦ .
[٦٢٠] ئل ١٨ ب ١١ من أبواب صفات القاضي ح ٤ ص ٩٩ .