دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٦٣ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
٦ ـ لا يجوز ـ إثباتاً ـ إنكارُ شرائع الله السابقة إلاّ بدليلٍ على النسخ ، وإنك لو تلاحظ كلّ الآيات التي ذَكَرَتْ شرائعَ الأوّلين ترى أنه لم يحصل فيها نسخٌ إلا نادراً ، وإنما هي باقية كما كانت ، نعم إنما ثبت النسخُ في الروايات كما في "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" فإنه لم يكن في زمانهم سورة الفاتحة .
* لكلّ ما ذكرنا نقول بأنّ المقتضي لجريان الإستصحاب في الشرائع السابقة هو إطلاق أدلّة الإستصحاب ووجود أركانها ، والمانع مفقود . وبتعبـيرٍ آخر : إنْ قلنا حصل نسخٌ في بعض الأحكام ونشكّ في نسخ الباقي ، فإنـنا نقول : هنا ـ أي في مورد الشكّ في حصول النسخ ـ يجري الإستصحابُ بلا شكّ ولا تردّد[٨٣٨] .
تـفصيلُ ذلك : لا شكّ في أنّ الإنسان في أوّل الخلق كالإنسان في آخر الخلق ، من حيث عقلِه وفطرتِه ومصالحِه الإنسانية والعبوديّة ، حتى وإن تغيّرت أساليبُ حياتِه فصار عنده سيّارات وطيّارات وكمبـيوتر ، لكن هذا لا يغيّر من وحدة عقله وكونه عبداً لله يجب أن يعبد الله ويطيعَه بالطريقة التي يراها اللهُ مناسبة ، كما أنه يـبقى العدل عدلاً والظلمُ ظلماً حتى وإن انـتقل الإنسان من المغارة إلى قصر جميل ، وليس هناك أيّ صفة في السابقين تـفرق عن اللاحقين توجب التغيـيرَ في الأحكام . كما لا شكّ أنّ الباري سبحانه وتعالى حينما يريد أن يقنِّن القوانينَ فإنه يضع الأحكام المناسبة ، فإذا كان المقنِّنُ واحداً ، والإنسانُ واحداً ، فيجب أن تكون الشرائعُ السماويّة هي نفسها من حين أنزل الله أوّلَ إنسانٍ على هذه الأرض إلى آخر إنسان فيها ، ولذلك كان الأصلُ هو بقاء الشرائع السماويّة كما هي ، من أوّل البشريّة إلى آخرها .
وخالف في جريان الإستصحاب جمعٌ من العلماء كالمحقِّق الحلّي في الشرائع وصاحبَي القوانين والفصول على ما حكي عنهما ، وكذلك أنكر الشيخُ ناصر مكارم الشيرازي حفظه اللهُ صحّةَ جريان
[٨٣٨] إن قلتَ : كيف تُـثْبِتُ بقاءَ الأحكام السابقة بالأدلّة المحرِزة المذكورة في المتن مع أنه ح لا يـَبقى محلٌّ لجريان الإستصحاب لأنّ هذه الأدلّة المحرزة تريد أن توصلَنا إلى القول ـ عن طريق الأمارات ـ بـبقاء الأحكام الشرعية السابقة كما هي إلى زمانـنا هذا ، من دون حاجة إلى الإستصحاب ، أي أنـنا إن آمنّا بهذه الأمارات فلا حاجة لنا بعدئذٍ إلى الإستصحاب ، بل سوف يَلتغِي جريانُ الإستصحاب هنا من الأساس ، مع أنّ البحث هنا إنما هو في جريان الإستصحاب !!
فأقول : أورد علماؤنا هذه الأدلّةَ المحرِزة ـ أي الأمارات ـ ليقرّبوا فكرةَ بقاء الشرائع السابقة للطلبة المبتدئين حتى من دون حاجة إلى إجراء الإستصحاب ، هذا ابتداءً ، ثم على فرض بقاءِ الشكّ في حصول النسخ ـ رغم هذه الأدلّة المحرِزة ـ حاولوا الإستدلالَ على بقاء الأحكام الغير معلومة النسخ عن طريق الإستصحاب ، ولكيلا يقول الطلبةُ فوراً ومن دون تحقيقٍ "نُسِخَتِ الشرائعُ السابقةُ تماماً وبكلّ أحكامها" فكانت طريقةُ علمائـنا في هذا البحث في غاية الرَّوعة والعِلْمِية .