دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٨٣ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
* وأمّا قوله (ص) لا نَجْشَ في الإسلام فالمراد من النَّجْش هو الفعل الذي تحصل به الزيادةُ في المثمن لا نفس الزيادة ، أي أنّ النجش هو الزيادة في ثمن السلعة ممّن لا يريد شراءَها[٨٨٢] ، وعادةً ما يكون بمواطأة البائع مع شخصٍ على ذلك لإيقاع غيرِه في زيادة الثَّمَن ، وهو غِشٌّ وخِداع ، أي أنّ النَّجْشَ هو الزيادة في قيمة السلعة بلا قصد الشراء وإنما ليُرَغِّبَ إليها المشتري . على أيّ حال ، النَّجْشُ أمْرٌ متداوَلٌ بين العقلاء وشيء جائز عندهم لا في الشرائع السماويّة لأنه كذب محض وتضليل ، فنفَى الشارعُ المقدّس شرعيّتَه وحَكَمَ بحرمته وبأنّه غيرُ ثابت في دين الله ، فلا يدخل في بحث استصحاب الشرائع السابقة .
*نرجع إلى ما كُـنّا فيه فنقول : أوهمَتِ الآياتُ والرواياتُ السالفة الذكرِ بعضَ الناس بأنّ الإسلام نَسَخَ كلَّ ما قبله حتى اشتهر ذلك على ألسِنَة الناس ، من غير دليل ولا أساس ، فمثلاً لا دليل على أنّ المؤمنين من الرهبان في زمان نبيّ الله عيسى ومِن بَعدِ زمانِه كانوا يتركون التزوّج أو يلبسون المسوح أو يتركون أكل اللحم أو يتركون العمل اللازم لمعاشهم ومعاش عيالهم لِنَستصحبَ مطلوبـيّتَها الشرعية ... وبكلمة اُخرى : لا دليل على أنّ الزواج كان في الشرائع السابقة مرجوحاً لنستصحب عدمَ مطلوبـيته ...
* وما أريد أن أقوله هو أنك إن لاحظْت كلّ ما ورد في كتاب الله تعالى في أحاديثه عن شرائع السابقين ترى أنه لا دليل على وجود اختلاف فيها عن شريعتـنا إلاّ بمقدار قليل ، اُنظر مثلاً قولَ اللهِ تعالى لمريم (س) [يَا مَرْيَمُ اقْـنـُتي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِيوَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ] [٨٨٣] . نعم نَقَلَ الشيخ المفيد[٨٨٤]عن ابن عباس ـ في حديث طويل يذكر فيه ما سأله عبدُ الله بنُ سلام ـ عن النبيّ (ص) ـ إلى أن قال (ص) لابن سلامـ: وأمّا الخمسة : اَنزَلَ علَيَّ وعلى أمتي خمسَ صلوات لم تـنزل على مَن قَبْلي ، ولا
[٨٨٢] قال في لسان العرب "نَجَشَ الحديثَ يَنْجُشُه نَجْشاً أي أذاعه ، ونَجَشَ الصيدَ وكلَّ شيءٍ مستور يَنْجُشُهُ نَجْشاً أي استـثاره واستخرجه ، والنَّجاشي والناجِشُ هو المستخرِج للشيء والذي يُثِيرُ الصيدَ لِيَمُرَّ على الصيّاد ... والنَّجْشُ والتـناجُشُ هو الزيادةُ في السلعة أو المهرِ لِيُسمَعَ بذلك فيُزاد فيه . قال شمر أصلُ النَّجْشِ هو البحثُ واستخراجُ الشيء . وفي الحديث : نَهَى رسولُ الله (ص) عن النَّجْشِ في البـيع وقال لا تـناجَشوا وهو أن يَزيد الرجلُ في ثمن السلعةِ وهو لا يريدُ شراءَها ولكن لِيَسمَعَه غيرُه فيَزيدَ بزيادته" .
[٨٨٣] آل عمران ـ ٤٣ .
[٨٨٤] في كتابه الإختصاص ص ٤٢ .